المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فتاوى شامله عن الصيام للدكتور يوسف القرضاوي


بسنا خرابيط
08-11-2011, 04:53 PM
استعمال السواك ومعجون الأسنان للصائم
السواك قبل الزوال مستحب كما هو دائمًا، وبعد الزوال اختلف الفقهاء فقال بعضهم: يكره الاستياك للصائم بعد الزوال . وحجته في ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " (رواه البخاري من حديث أبي هريرة) فهو يرى أن ريح المسك هذا لا يحسن أن يزيله المسلم، أو يكره له أن يزيله، ما دامت هذه الرائحة مقبولة عند الله ومحبوبة عند الله، فليبقها الصائم ولا يزيلها، وهذا مثل الدماء ... دماء الجراح .. التي يصاب بها الشهيد، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشهداء: " زمّلوهم بدمائهم وثيابهم، فإنما يبعثون بها عند الله يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك " ولذلك يبقى الشهيد بدمه وثيابه لا يغسل ولا يزال أثر الدم . قاسوا هذا على ذلك . والصحيح أنه لا يقاس هذا على ذلك، فذلك له مقام خاص، وقد جاء عن بعض الصحابة أنه قال: " رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتسوك ما لا يحصى وهو صائم " فالسواك في الصيام مستحب في كل الأوقات في أول النهار وفي آخره، كما هو مستحب قبل الصيام وبعد الصيام .. فهو سنة أوصى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " (رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . ورواه البخاري معلقًا مجزومًا) . ولم يفرق بين الصوم وغيره.

أما معجون الأسنان، فينبغي التحوط في استعماله بألا يدخل شيء منه إلى الجوف وهذا الذي يدخل إلى الجوف مفطر عند أكثر العلماء ؛ ولذا فالأولى أن يجتنب المسلم ذلك ويؤخره إلى ما بعد الإفطار، ولكن إذا استعمله واحتاط لنفسه وكان حذرًا في ذلك ودخل شيء إلى جوفه فهو معفو عنه والله سبحانه وتعالى يقول :"وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم" (الأحزاب: 5) والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " والله تعالى أعلم.

بسنا خرابيط
08-11-2011, 04:53 PM
أكل الصائم أو شربه ناسيًا أو مكرهًا
جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " .. من نسى وهو صائم فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه " .. وفي لفظ للدارقطني بإسناد صحيح: " فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه .. " وفي لفظ آخر للدارقطني وابن خزيمة وابن حبان والحاكم .. " من أفطر من رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة " . وإسناده صحيح أيضًا قاله الحافظ ابن حجر.

وهذه الأحاديث صريحة في عدم تأثير الأكل والشرب ناسيًا على صحة الصوم . وهو الموافق لقوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذانا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة: 286) وقد ثبت في الصحيح أن الله أجاب هذا الدعاء.
كما ثبت في حديث آخر: " إن الله وضع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".
فعلى الصائم الذي أكل وشرب ناسيًا أن يستكمل صيام يومه، ولا يجوز له الفطر.

وبالله التوفيق.

إفطار المكره
كذلك ومن أفطر مكرهًا لا يفطر، سواء أدخل المكره الطعام إلى جوفه بغير فعل من الصائم أم أكره الصائم على أن يأكله هو بنفسه على الصحيح، لحديث: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" (رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي بأسانيد صحيحة من رواية ابن عباس، كما قال النووي في المجموع - 309/6).

هذا ما رجحه الإمام النووي من مذهب الشافعي، وقال الأئمة الثلاثة: يبطل صومه، وإن كان مكرهًا.

بسنا خرابيط
08-11-2011, 04:54 PM
قيام ليالي رمضان وصلاة التراويح
فرض الله تعالى صيام أيام رمضان، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام لياليه. عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة، ثم يقول:"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -435).

ومعنى (إيمانًا): أي تصديقًا بوعد الله تعالى، ومعنى (احتسابًا): أي طلبًا لوجه الله تعالى وثوابه.
ومن صلى التراويح كما ينبغي فقد قام رمضان.

والتراويح
هي تلك الصلاة المأثورة التي يؤديها المسلمون جماعة في المسجد، بعد صلاة العشاء.
وقد سَنَّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين صلى بأصحابه ليلتين، أو ثلاثًا ثم تركها خشية أن تفرض عليهم، وكان بالمؤمنين رحيمًا، فصلاها الصحابة فرادى، حتى جمعهم عمر على الصلاة خلف أبي بن كعب.

فعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة (أي من رمضان) من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلُّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله.. حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس فتشهد ثم قال: "أما بعد، فإنه لم يخف علّي مكانكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها"(متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -436).

وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، أي يصلون فرادى، وكذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر.
روى البخاري عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه! والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون. يعنى آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله (رواه البخاري في كتاب التراويح).

وقول عمر: (نعمت البدعة هذه) لا يعني بها (البدعة الدينية) التي يراد بها استحداث أمر في الدين لايندرج تحت أصل شرعي، إنما يراد بها المعنى اللغوي للبدعة، باعتبار أنها أمر لم يكن في عهده، ولا عهد أبي بكر من قبل.

ولكنه وافق الهدي النبوي، حيث قرر النبي صلى الله عليه وسلم، صلاة أصحابه وراءه ثلاث ليال في المسجد، ولولا خشية افتراضها عليهم وعجزهم عنها، لاستمر في الصلاة بهم، وقد زالت هذه الخشية، بإكمال الدين وانقطاع الوحي، واستقرار الشرع، وكان عمر مسددًا في عمله هذا، لما فيه من مظهر الوحدة، واجتماع الكلمة ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين، ولا سيما إذا كان حسن القراءة.

ولهذا ذهب الجمهور إلى سنية صلاة التراويح في الجماعة، بل ذهب الطحاوي من الحنفية إلى وجوبها على الكفاية (فتح الباري 156/5 ط. الحلبي).

ومن قال من العلماء قديمًا بأن الصلاة في البيوت أفضل، فهذا فيمن كان يصلي لنفسه ويطيل كثيرًا، ولا يجد صلاة جماعة تشبع نهمه.

أما إذا وجد هذه الجماعة، فالأولى أن يصلي مع المسلمين، ليكثر جماعتهم وليقوى بهم، ويقووا به.
ولذا قال بعض الشافعية: من كان يحفظ القرآن، ولا يخاف من الكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد، بتخلفه، فصلاته في الجماعة والبيت سواء، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل (المصدر السابق).

ومثل ذلك ما يقال في شأن صلاة التراويح للنساء، وأن صلاتهن في بيوتهن أفضل، فهذا لو كن يحفظن القرآن، ولا يكسلن عن الصلاة إذا جلسن في البيت.

ولكن المُشاهد أن المرأة إذا لم تذهب إلى المسجد فهيهات أن تصلي، ولو صلت فستكون صلاة كنقر الديكة. على أنها في المسجد تسمع القرآن، والموعظة الحسنة، وتلتقي بالمسلمات الصالحات، فيتعاون على البر والتقوى، وفي هذا خير كثير.

ولم تذكر رواية البخاري عدد الركعات التي كان يصلى بها أبي بن كعب، وقد اختلف في ذلك ما بين إحدى عشرة، وثلاث عشرة، وإحدى وعشرين. أي مع الوتر قال الحافظ: ويحتمل أن يكون ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها فحيث يطيل القراءة تقل الركعات وبالعكس.

وقد ورد أنهم كانوا يقرأون بالسور الطوال، ويقومون على العصي من طول القيام.
وفي إمارة عمر بن عبد العزيز بالمدينة، كانوا يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث.
قال مالك: وهو الأمر القديم عندنا.

وقال الشافعي: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع وثلاثين، وفي مكة بثلاث وعشرين، وليس في شيء من ذلك ضيق.
وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود (أي عدد الركعات) فحسن، وإن أكثروا السجود وأخفوا القراءة، فحسن، والأول أحب إليَّ.

وصلى بعض السلف أربعين غير الوتر (انظر في هذا كله: فتح الباري -157/5 ط. الحلبي).
ولا تضييق في ذلك كما قال الإمام الشافعي، ولا ينبغي أن ينكر بعض الناس على بعض في ذلك، مادامت الصلاة تأخذ حقها من الطمأنينة والخشوع.

فمن صلى بإحدى عشرة، فقد اهتدى بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قالت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره، على إحدى عشرة ركعة (رواه البخاري وغيره).

وعن جابر: أنه عليه الصلاة والسلام - صلى بهم ثماني ركعات، ثم أوتر أي بثلاث.
ومن صلى بثلاث وعشرين، فله أسوة بما كان في عهد عمر، كما رواه غير واحد، وقد أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين.

ومن صلى بتسع وثلاثين أو إحدى وأربعين، فله أسوة بما كان عليه العمل في المدينة في خير قرون الأمة، وقد شاهده إمام دار الهجرة، وقال: وعلى هذا العمل من بضع ومائة سنة.

والصلاة خير موضوع، ولم يرد تحديد العدد في رمضان - ولا في غيره بمقدار معين.فلا معني لإنكار بعض العلماء المعاصرين على من صلى عشرين أنه خالف السنة، والهدي النبوي، أو من صلى ثمانيا أنه خالف المأثور عن سلف الأمة وخلفها.

وإن كان الأحب إليَّ هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله لا يرضى له إلا الأفضل، وذلك (إحدى عشرة ركعة) بالوتر مع تطويل القراءة والصلاة.

والذي يجب إنكاره من الجميع تلك الصلاة التي تُؤدَّى في بعض مساجد المسلمين وكأنما يلهب ظهورهم سوط يسوقهم إلى الفراغ منها وهى (20 ركعة) في أقل من ثلث ساعة!! والله تعالى يقول: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون) (المؤمنون: 1،2).

ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلمات جامعة نافعة في بيان مشروعية صلاة التراويح بأي من الأعداد المروية فيها، قال رضي الله عنه:
(ثبت أن أبي بن كعب كان يقوم بالناس عشرين ركعة في رمضان، ويوتر بثلاث فرأى كثير من العلماء أن ذلك هو السنة، لأنه قام بين المهاجرين والأنصار، ولم ينكره منكر.

واستحب آخرون تسعًا وثلاثين ركعة، بناء على أنه عمل أهل المدينة القديم.
وقالت طائفة: قد ثبت في الصحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يزيد في رمضان ولا غيره على ثلاث عشرة ركعة، واضطربوا في الأصل لما ظنوه من معارضة الحديث الصحيح لما ثبت من سنة الخلفاء الراشدين وعمل المسلمين.

والصواب أن ذلك جميعه حسن، كما نصَّ على ذلك الإمام أحمد، وأنه لا يوقت في قيام رمضان عدد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت فيه عددًا، وحينئذ فيكون تكثير الركعات وتقليلها بحسب طول القيام وقصره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يطيل القيام بالليل، حتى قد ثبت عنه في الصحيح من حديث حذيفة: أنه كان يقرأ في الركعة بالبقرة والنساء وآل عمران، فكان طول القيام يغني عن تكثير الركعات.

وأبي بن كعب لما قام بهم وهم جماعة واحدة، لم يمكن أن يطيل بهم القيام فكثر الركعات، ليكون ذلك عوضًا عن طول القيام، وجعلوا ذلك ضعف عدد ركعاته فإنه كان يقوم بالليل إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، ثم بعد ذلك كان الناس بالمدينة ضعفوا عن طول القيام، فكثروا الركعات، حتى بلغت تسعًا وثلاثين).

أما أي هذه الأعداد أفضل؟ فقد قال شيخ الإسلام:
(ثم كان طائفة من السلف يقومون بأربعين ركعة ويوترون بثلاث، وآخرون قاموا بست وثلاثين و أوتروا بثلاث، وهذا كله سائغ فكيفما قام بهم في رمضان من هذه الوجوه فقد أحسن.

والأفضل يختلف باختلاف أحوال المصلين، فإن كان فيهم احتمال لطول القيام بعشر ركعات وثلاث بعدها، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لنفسه في رمضان وغيره، فهو الأفضل، وإن كانوا لا يحتملونه فالقيام بعشرين أفضل فهو الذي يعمل به أكثر المسلمين، فإنه وسط بين العشرين وبين الأربعين، وإن قام بأربعين وغيرها جاز ذلك، ولا يكره شيء من ذلك، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة كأحمد وغيره، ومن ظن أن قيام رمضان فيه عدد مؤقت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يزاد ولا ينقص منه فقد أخطأ) أ

بسنا خرابيط
08-11-2011, 04:55 PM
خروج المرأة لصلاة التراويح
صلاة التراويح ليست واجبة على النساء ولا على الرجال، وإنما هي سنة لها منزلتها وثوابها العظيم عند الله . روى الشيخان عن أبي هريرة قال: يأمرهم بعزيمة ثم يقول: " من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله ما تقدم من ذنبه ".

من صلى التراويح بخشوع واطمئنان مؤمنًا محتسبًا، وصلى الصبح في وقتها، فقد قام رمضان واستحق مثوبة القائمين.

وهذا يشمل الرجال والنساء جميعًا . إلا أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها بالمسجد، ما لم يكن وراء ذهابها إلى المسجد فائدة أخرى غير مجرد الصلاة، مثل سماع موعظة دينية، أو درس من دروس العلم، أو سماع القرآن من قارئ خاشع مجيد . فيكون الذهاب إلى المسجد لهذه الغاية أفضل وأولى . وبخاصة أن معظم الرجال في عصرنا لا يفقهون نساءهم في الدين، ولعلهم لو أرادوا لم يجدوا عندهم القدرة على الموعظة والتثقيف، فلم يبق إلا المسجد مصدرًا لذلك فينبغي أن تتاح لها هذه الفرصة، ولا يحال بينها وبين بيوت الله . ولا سيما أن كثيرًا من المسلمات إذا بقين في بيوتهن لا يجدن الرغبة أو العزيمة التي تعينهن على أداء صلاة التراويح منفردات بخلاف ذلك في المسجد والجماعة.

على أن خروج المرأة من بيتها - ولو إلى المسجد - يجب أن يكون بإذن الزوج، فهو راعي البيت، والمسئول عن الأسرة، وطاعته واجبة ما لم يأمر بترك فريضة، أو اقتراف معصية فلا سمع له إذن ولا طاعة.

وليس من حق الرجل أن يمنع زوجته من الذهاب إلى المسجد إذا رغبت في ذلك إلا لمانع معتبر . فقد روى مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " .

والمانع المعتبر شرعًا: أن يكون الزوج مريضًا مثلاً، وفي حاجة إلى بقائها بجواره تخدمه وتقوم بحاجته . أو يكون لها أطفال صغار يتضررون من تركهم وحدهم في البيت مدة الصلاة وليس معهم من يرعاهم، ونحو ذلك من الموانع والأعذار المعقولة.
وإذا كان الأولاد يحدثون ضجيجًا في المسجد، ويشوشون على المصلين بكثرة بكائهم وصراخهم، فلا ينبغي أن تصطحبهم معها فترة الصلاة . فإن ذلك وإن جاز في صلوات الفرائض اليومية لقصر مدتها ينبغي أن يمنع في صلاة التراويح لطول مدتها، وعدم صبر الأطفال عن أمهاتهم هذه المدة التي قد تزيد على الساعة.

وأما حديث النساء في المساجد، فشأنه شان حديث الرجال، ولا يجوز أن يرتفع الصوت به لغير حاجة . وبخاصة الأحاديث في أمور الدنيا، فلم تجعل المساجد لهذا، إنما جعلت للعبادة أو العلم.
فعلى المسلمة الحريصة على دينها أن تلتزم الصمت في بيت الله، حتى لا تشوش على المصلين أو على درس العلم، فإذا احتاجت إلى الكلام، فليكن ذلك بصوت خافت وبقدر الحاجة، ولا تخرج عن الوقار والاحتشام في كلامها ولبسها ومشيتها.

وأحب أن أقول هنا كلمة منصفة: إن بعض الرجال يسرفون إسرافًا شديدًا في الغيرة على جنس النساء، والتضييق عليهن، فلا يؤيدون فكرة ذهاب المرأة إلى المسجد بحال، برغم الحواجز الخشبية العالية التي تفصل بين الرجال والنساء، والتي لم يكن لها وجود في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته، والتي تمنع النساء من معرفة تحركات الإمام إلا بالصوت والسماع، ولا غرو أن ترى بعض هؤلاء الرجال يسمحون لأنفسهم في المسجد بالكلام والأحاديث، ولا يسمح أحدهم لامرأة أن تهمس في أذن جارتها بكلمة ولو في شأن ديني، وهذا مبعثه التزمت وعدم الإنصاف، والغيرة المذمومة التي جاء بها الحديث: " إن من الغيرة ما يبغضه الله ورسوله "، وهي: الغيرة في غير ريبة.

لقد فتحت الحياة الحديثة الأبواب للمرأة . فخرجت من بيتها إلى المدرسة والجامعة والسوق وغيرها، وبقيت محرومة من خير البقاع وأفضل الأماكن وهو المسجد . وإني أنادي بلا تحرج: أن أفسحوا للنساء في بيوت الله، ليشهدن الخير، ويسمعن الموعظة ويتفقهن في الدين، ولا بأس أن يكون من وراء ذلك ترويح عنهن في غير معصية ولا ريبة، ما دمن يخرجن محتشمات متوقرات بعيدات عن مظاهر التبرج الممقوت.

والحمد لله رب العالمين.

بسنا خرابيط
08-11-2011, 04:56 PM
التليفزيون والصيام
التليفزيون وسيلة من الوسائل، فيه خير وفيه شر، والوسائل لها حكم المقاصد دائمًا، فالتليفزيون كالإذاعة ... وكالصحافة .. فيها ما هو طيب وما هو خبيث . وعلى المسلم أن ينتفع بالطيب، وأن يتجنب الخبيث، سواء كان صائمًا أم غير صائم ... ولكن في الصيام، على المسلم أن يحتاط أكثر، حتى لا يفسد صومه، وحتى لا يذهب أجره ويحرم من مثوبة الله عز وجل.

فمشاهدة التليفزيون، لا أقول فيها حلال مطلق ولا حرام مطلق . وإنما يتبع ذلك الشيء الذي يشاهد في هذا الجهاز: فإن كان خيرًا جازت رؤيته، وسماعه، كبعض الأحاديث الدينية، ونشرات الأخبار، والبرامج الموجهة إلى الخير .. وإن كان شرًا كبعض المشاهد الراقصة الخليعة ونحو ذلك، فهذا يحرم رؤيته في كل وقت، ويتأكد ذلك في شهر رمضان.

وبعض المشاهدة تكره رؤيتها وإن لم تصل إلى درجة الحرمة.
وكل وسيلة من الوسائل تصد عن ذكر الله فهي حرام ...
فإذا كانت مشاهدة التليفزيون، أو سماع الراديو وغير ذلك، يلهي عن واجب أوجبه الله على عباده كالصلاة .. ففي هذه الحالة يحرم .. يحرم الاشتغال عن الصلاة بأي شيء ... فالله سبحانه وتعالى حينما علل تحريم الخمر والميسر، جعل من هذه العلة (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون ؟). (المائدة: 91).

وعلى المسئولين عن برامج التليفزيون، أن يتقوا الله فيما ينبغي أن يقدم للجمهور دائمًا، وفي رمضان خاصة، رعاية لحرمة الشهر المبارك، وإعانة للناس على طاعة الله، والاستزادة من الخيرات، حتى لا يحملوا إثم أنفسهم، وإثم المشاهدين معهم، كالذين قال الله فيهم: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون). (النحل: 25).

بسنا خرابيط
08-11-2011, 04:57 PM
الإسراع في صلاة التراويح
ثبت في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه " . فالله سبحانه وتعالى شرع في رمضان في نهاره الصيام، وشرع على لسان رسوله في ليلة القيام، وجعل هذا القيام سببًا للتطهر من الذنوب والخطايا .. ولكن القيام الذي تغفر به الذنوب، وتغسل فيه الأدناس، هو الذي يؤديه المسلم كاملاً بشروطه وأركانه وآدابه وحدوده . وقد علمنا أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة كقراءة الفاتحة، وكالركوع وكالسجود .. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما أساء بعض الناس الصلاة أمامه ولم يؤد لها حقها من الاطمئنان، قال له: " ارجع فصل، فإنك لم تصل " .. ثم علمه كيف تكون الصلاة المقبولة فقال له: " اركع حتى تطمئن راكعًا، واعتدل حتى تطمئن قائمًا، واسجد حتى تطمئن ساجدًا، واجلس بين السجدتين حتى تطمئن جالسًا وهكذا " (رواه الشيخان وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة) .. فالطمأنينة في جميع هذه الأركان شرط لابد منه، وحدّ الطمأنينة المشروطة قد اختلف فيه العلماء . فمنهم من جعل أدناه أن يكون مقدار تسبيحة كأن يقول: سبحان ربي الأعلى مثلاً . وبعضهم - كالإمام شيخ الإسلام ابن تيمية اشترط أن يكون مقدار الطمأنينة في الركوع والسجود نحو ثلاث تسبيحات، فقد جاء في السنة أن التسبيح ثلاث، وذلك أدناه فلابد أن تطمئن بمقدار ثلاث تسبيحات ... ويقول الله عز وجل: (قد أفلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون). (المؤمنون: 1، 2).

والخشوع نوعان : خشوع بدن، وخشوع قلب.

فخشوع البدن: أن يطمئن البدن ولا يعبث ولا يلتفت المرء تلفت الثعلب .. ولا ينقر الركعات والسجدات نقر الديكة، وإنما يؤديها بأركانها وحدودها كما شرعها الله عز وجل ..
لابد إذن من خشوع البدن .. ولابد من خشوع القلب ..

وخشوع القلب: معناه استحضار عظمة الله عز وجل، وذلك بالتأمل في معاني الآيات التي تُتلى، وبتذكر الآخرة، وبتذكر أن المصلي بين يدي الله عز وجل .. وأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) . قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) . قال الله عز وجل: أثنى علىَّ عبدي . وإذا قال: (مالك يوم الدين) . قال الله تعالى: مجّدني عبدي . وإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين)، قال الله تعالى: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم) . قال الله تعالى: هذا لعبدي . ولعبدي ما سأل ". (رواه مسلم).

فالله سبحانه وتعالى ليس بمعزل عن المصلي، ولكنه يجيبه، فلابد أن يتجاوب المسلم المصلي مع الله عز وجل، وأن يستحضر قلبه في كل حركة من حركات الصلاة، وفي كل وقت من أوقاتها، وفي كل ركن من أركانها، فالذين يصلون وكل همهم أن يفرغوا من الصلاة، وأن يتخلصوا منها، وأن يلقوها كأنها عبء فوق ظهورهم، فإنها ليست هذه هي الصلاة المطلوبة . وكثير من الناس يصلون في رمضان العشرين والثلاث والعشرين ركعة في دقائق معدودات، كل همه أن يخطف الصلاة خطفًا، وأن ينتهي منها في أسرع وقت ممكن ... لا يتم ركوعها ولا سجودها ولا خشوعها .. فهذه كما ورد في الحديث: " تعرج إلى السماء وهي سوداء مظلمة تقول لصاحبها: ضيَّعك الله كما ضيَّعتني " .

والصلاة الخاشعة المطمئنة تعرج إلى السماء بيضاء ناصعة تقول لصاحبها: حفظك الله كما حفظتني.

ونصيحتي لكثير من الأئمة والمصلين الذين يصلون هذا العدد بغير إتقان ولا خشوع ولا حضور قلب ولا سكون بدن، أن يصلوا ثماني ركعات مطمئنة خاشعة متقنة خير من هذه العشرين، فليست العبرة بالكم والكثرة، ولكنّ العبرة بالكيف والنوع ... العبرة في الصلاة نفسها .. هل هي صلاة الخاشعين ؟ أم هي صلاة الخطافين ؟

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المؤمنين الخاشعين.

بسنا خرابيط
08-11-2011, 04:58 PM
ليلة القدر
لقد نَوَّه القرآن، ونَوَّهَت السُّنَّة بفضل هذه الليلة العظيمة، وأنزل الله فيها سورة كاملة: (إنا أنزلناه في ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر. تَنَزَّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر. سلام هي حتى مطلع الفجر).

عَظَّمَ القرآنُ شأنَ هذه الليلة، فأضافها إلى (القدر) أي المقام والشرف، وأي مقام وشرف أكثر من أن تكون خيرًا وأفضل من ألف شهر. أي الطاعة والعبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.

وألف شهر تساوي ثلاثًا و ثمانين سنة وأربعة أشهر، أي أن هذه الليلة الواحدة أفضل من عمر طويل يعيشه إنسان عمره ما يقارب مائة سنة، إذا أضفنا إليه سنوات ما قبل البلوغ والتكليف.

وهي ليلة تتنزَّل فيها الملائكة برحمة الله وسلامه وبركاته، ويرفرف فيها السلام حتى مطلع الفجر.
وفي السنة جاءت أحاديث جمة في فضل ليلة القدر، والتماسها في العشر الأواخر ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة: "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه" (رواه البخاري في كتاب الصوم).

ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغفلة عن هذه الليلة وإهمال إحيائها، فيحرم المسلم من خيرها وثوابها، فيقول لأصحابه، وقد أظلهم شهر رمضان: "إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَها فقد حُرِم الخيرَ كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم" (رواه ابن ماجه من حديث أنس، وإسناده حسن كما في صحيح الجامع الصغير وزيادته -2247).

وكيف لا يكون محرومًا من ضيع فرصة هي خير من ثلاثين ألف فرصة؟.
إن من ضيع صفقة كان سيربح فيها 100% يتحسر على فواتها أيّما تحسر، فكيف بمن ضيع صفقة كان سيربح فيها 3000000% ثلاثة ملايين في المائة؟!!.

أي ليلة هي ؟
ليلة القدر في شهر رمضان يقينًا، لأنها الليلة التي أنزل فيها القرآن، وهو أنزل في رمضان، لقوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) (البقرة: 185).

والواضح من جملة الأحاديث الواردة أنها في العشر الأواخر، لما صح عن عائشة قالت: كان رسول الله يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان " (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -726).

وعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم، خرج إليهم صبيحة عشرين فخطبهم، وقال: "إني أريت ليلة القدر ثم أنسيتها - أو نسيتها - فالتمسوها في العشر الأواخر، في الوتر" (متفق عليه، المصدر نفسه -724). وفي رواية: "ابتغوها في كل وتر " (نفسه 725).

ومعنى (يجاور): أي يعتكف في المسجد، والمراد بالوتر في الحديث: الليالي الوترية، أي الفردية، مثل ليالي: 21، 23، 25، 27، 29.

وإذا كان دخول رمضان يختلف - كما نشاهد اليوم - من بلد لآخر، فالليالي الوترية في بعض الأقطار، تكون زوجية في أقطار أُخرى، فالاحتياط التماس ليلة القدر في جميع ليالي العشر.

ويتأكد التماسها وطلبها في الليالي السبع الأخيرة من رمضان، فعن ابن عمر: أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام، في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرى رؤياكم قد تواطأت (أي توافقت) في السبع الأواخر، فمن كان متحريها، فليتحرها في السبع الأواخر" (متفق عليه، عن ابن عمر، المصدر السابق -723). وعن ابن عمر أيضًا: "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يُغلبن على السبع البواقي" (رواه أحمد ومسلم والطيالسي عن ابن عمر كما في صحيح الجامع الصغير 1242).

والسبع الأواخر تبدأ من ليلة 23 إن كان الشهر 29 ومن ليلة 24 إن كان الشهر 30 يومًا.
ورأي أبي بن كعب وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، وكان أُبَىّ يحلف على ذلك لعلامات رآها، واشتهر ذلك لدى جمهور المسلمين، حتى غدا يحتفل بهذه الليلة احتفالاً رسميًا.
والصحيح: أن لا يقين في ذلك، وقد تعددت الأقوال في تحديدها حتى بلغ بها الحافظ ابن حجر 46 قولاً.

وبعضها يمكن رَدُّه إلى بعض. وأرجحها كلها: أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل، كما يفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين، وعند الجمهور ليلة سبع وعشرين (فتح الباري -171/5 ط. الحلبي).

ولله حكمة بالغة في إخفائها عنا، فلو تيقنا أي ليلة هي لتراخت العزائم طوال رمضان، واكتفت بإحياء تلك الليلة، فكان إخفاؤها حافزًا للعمل في الشهر كله، ومضاعفته في العشر الأواخر منه، وفي هذا خير كثير للفرد وللجماعة.

وهذا كما أخفى الله تعالى عنا ساعة الإجابة في يوم الجمعة، لندعوه في اليوم كله، وأخفى اسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب؛ لندعوه بأسمائه الحسنى جميعًا.

روى البخاري عن عبادة بن الصامت قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين (أي تنازعا وتخاصما) فقال: "خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت (أي من قلبي فنسيت تعيينها) وعسى أن يكون خيرًا لكم".

وقد ورد لليلة القدر علامات، أكثرها لا يظهر إلا بعد أن تمضى، مثل: أن تظهر الشمس صبيحتها لا شعاع لها، أو حمراء ضعيفة......إلخ.

ومثل: أنها ليلة مطر وريح، أو أنها ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، إلخ ما ذكره الحافظ في الفتح.
وكل هذه العلامات لا تعطي يقينًا بها، ولا يمكن أن تَطَّرد، لأن ليلة القدر في بلاد مختلفة في مناخها، وفي فصول مختلفة أيضًا، وقد يوجد في بلاد المسلمين بلد لا ينقطع عنه المطر، وآخر يصلي أهله صلاة الاستسقاء مما يعاني من المَحْل، وتختلف البلاد في الحرارة والبرودة، وظهور الشمس وغيابها، وقوة شعاعها، وضعفه، فهيهات أن تتفق العلامات في كل أقطار الدنيا.

هل هي ليلة عامة أو خاصة؟
ومما بحثه العلماء هنا: هل تعتبر ليلة القدر ليلة خاصة لبعض الناس، تظهر له وحده بعلامة يراها، أو رؤيا في منام، أو كرامة خارقة للعادة، تقع له دون غيره؟ أم هي ليلة عامة لجميع المسلمين بحيث يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه أقامها، وإن لم يظهر له شيء؟.

لقد ذهب جمع من العلماء إلى الاعتبار الأول، مستدلين بحديث أبي هريرة: "من يقم ليلة القدر فيوافقها.." (رواية لمسلم عن أبي هريرة).

وبحديث عائشة: أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟.
فقال: "قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعفُ عني" (رواه ابن ماجه والترمذي عن عائشة). وفسَّروا الموافقة بالعلم بها، وأن هذا شرط في حصول الثواب المخصوص بها.

ورجح آخرون معنى يوافقها: أي في نفس الأمر، إن لم يعلم هو ذلك، لأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء، ولا سماعه، كما قال الإمام الطبري بحق.

وكلام بعض العلماء في اشتراط العلم بليلة القدر كان هو السبب فيما يعتقده كثير من عامة المسلمين أن ليلة القدر طاقة من النور تُفتح لبعض الناس من السعداء دون غيرهم. ولهذا يقول الناس: إن فلانا انفتحت له ليلة القدر، وكل هذا مما لا يقوم عليه دليل صريح من الشرع.

فليلة القدر ليلة عامة لجميع من يطلبها، ويبتغي خيرها وأجرها، وما عند الله فيها، وهي ليلة عبادة وطاعة، وصلاة، وتلاوة، وذكر ودعاء وصدقة وصلة وعمل للصالحات، وفعل للخيرات.

وأدنى ما ينبغي للمسلم أن يحرص عليه في تلك الليلة: أن يصلي العشاء في جماعة، والصبح في جماعة، فهما بمثابة قيام الليل.
ففي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله" (رواه أحمد ومسلم واللفظ له، من حديث عثمان، صحيح الجامع الصغير -6341).

والمراد: من صلى الصبح بالإضافة إلى صلاة العشاء، كما صرحت بذلك رواية أبي داود والترمذي: "من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة"(المصدر السابق -6342).

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:00 PM
صيام التطوع
للعبادات المطلوبة في الإسلام مستويان:
مستوى (الفرض):
الذي يلزم به كل مكلف، ولا يقبل منه التكاسل عنه، أو التفريط فيه، فمن فعل كان مستوجبًا للذم والتأثيم في الدنيا، وللعقاب في الآخرة، وهو يمثل الحد الأدنى المطلوب من المسلم.

وذلك يتمثل في الصلوات الخمس المفروضة في كل يوم وليلة، والزكاة المفروضة على الأموال النامية بشروطها، وصوم رمضان من كل عام، وحج البيت في العمر مرة.

وهذه الفرائض يكفر من أنكر وجوبها أو استهزأ بها، ويفسق من تركها، ولم يكن له عذر يقبله الشرع.
والفرد مطالب أمام الله، وأمام المجتمع بأداء هذه الفرائض علانية، حتى يدفع التهمة عن نفسه، ويكون أسوة لغيره.
والمجتمع مسئول بالتضامن عن إقامة هذه الفرائض، فعليه أن يعلم الجاهل وينبه الغافل، ويؤدب المقصر، والله تعالى يقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله) (التوبة: 71).

والفرد إذا أدى الفرض - مستوفي الأركان بالشروط - فقد أبرأ ذمته، وأسقط الإثم عنه، ولم يكن لأحد عليه سبيل، وهذا ما صح به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فعن طلحة بن عبد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل عليّ غيرهن؟ قال: "لا إلا أن تطوع" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وصيام شهر رمضان"، قال : هل علي غيره، قال: "لا إلا أن تطوع"، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم، الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطّوع"، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفلح إن صدق" متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم: فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان" قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" متفق عليه.
هذا هو مستوى الفرض.

والمستوى الآخر، هو:
مستوى (التطوع)، وهو ما طلبه الشرع من المكلف طلب ندب واستحباب، لا طلب إيجاب وإلزام.
وهذا التطوع المستحب - وإن لم يكن حتمًا ولا فرضًا على المسلم - له ثماره الطيبة التي يجمل به أن يحرص على اقتطافها.
فمن ثماره: أن يجبر ما عسى أن يكون في أداء الفرض من خلل وتقصير، ولهذا جاء في الحديث: إن الإنسان يحاسب على الصلاة يوم القيامة - وهي أول ما يحاسب عليه من حقوق الله - فإن وجدت صلاته كاملة فبها ونعمتْ، وإلا سئل عن تطوعه ليستكمل منه ما نقص من الفرض.

ومن ثماره: أنه (رصيد احتياطي) - إذا استخدمنا لغة المحاسبين - يواجه به المكلف (الخسائر) الناجمة من ارتكاب السيئات، والتي تكثر وتتفاقم أحيانًا حتى تكاد تأكل رأس المال.
فمن الحزم والكيس أن يواجه المسلم هذا (العجز) المتوقع بألا يكتفي بالاقتصار على الحد الأدنى المفروض، وأن يستكثر من العبادة عن طريق التطوع، أو النافلة.

ومن ثماره كذلك: أنه يهيئ المسلم للترقي في درجات (القرب) من الله تعالى، حتى يصل إلى درجة الحب من الله عز وجل، فأداء الفرائض يوصل إلى (القرب)، وأداء النوافل يوصل إلى (الحب).

وفي هذا جاء الحديث القدسي عن الله تبارك وتعالى: "ما تقرب إليَّ عبدي بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، وقدمه التي يسعى بها .. ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه" (رواه البخاري عن أبي هريرة).

من أجل هذا فتح الإسلام باب التطوع لأرباب الهمم والعزائم، ليأخذ كلُّ بحظه منها، تبعًا لمدى طموحه وأشواقه إلى ما عند الله تعالى، وذلك في العبادات كلها، ومنها: الصيام.
وهنا نلقي بعض الضوء على ألوان صيام التطوع، الذي شرعه الإسلام:

صيام ستة من شوال
حث النبي صلى الله عليه وسلم على إتباع صيام رمضان، بست من شوال، فقد روى عنه أبو أيوب الأنصاري: "من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر كله" (رواه مسلم في الصيام -1164، وأبو داود -2433، والترمذي -759 وابن ماجة -1716).

والمراد بالدهر هنا: السَّنَة، أي كأنما صام السنة كلها، فإذا حافظ على صيام ذلك طوال السنين، فكأنما صام الدهر.
وقد جاء تفسير ذلك في حديث آخر يقول: "صيام شهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين، فذلك صيام العام".
وهل المطلوب في هذه الأيام إلحاقها برمضان مباشرة، بحيث يبدأ صومها من اليوم التالي للعيد، كما يدل عليه لفظ (أتبعه)، أم يكفي أن تكون في شوال، وشوال كله تابع لرمضان؟.

هذا ما اختلف فيه الفقهاء، ولكني أميل إلى الرأي الثاني.
كما أنه ليس من اللازم أن يصومها متتابعة، فلو فرقها فلا حرج عليه إن شاء الله.
وانفرد الإمام مالك رضي الله عنه، بالقول بكراهة صيام هذه الأيام الستة خشية أن يعتقد الناس أنها جزء من رمضان، ويلزموا بها أنفسهم، وينكروا على من تركها، فكرهها من باب سد الذرائع (ذكر الإمام الشاطبي أن بعض العجم وقعوا في مثل ذلك حيث تركوا كل مراسم رمضان ومظاهره من إضاءة المآذن ومرور المسحرين على الناس وغير ذلك إلى اليوم السابع من شوال، ولكن مثل هذا الخرف لا ترد به السنة، ويجب أن يُعلَّم الجاهل.

وذكر مالك في الموطأ: أنه ما رأى أحدًا من أهل العلم يصومها، قال الشوكاني: ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلاً ترد به السنة. أهـ يؤكد ذلك أن ابن عباس ذكر أن في القرآن آيات ترك الناس العمل بها، مثل آية: "وإذا حضر القسمة أولو القربى" وغيرها)، ولكن إذا صح الحديث بصومها فلا مجال للرأي هنا، وخصوصًا إذا رجحنا عدم إلصاقها برمضان مباشرة ولعل السر في استحباب صيام هذه الأيام من شوال أن يظل المسلم وصول الحبال بطاعة ربه، فلاً تفتر عزيمته بعد رمضان.

صيام تسع ذي الحجة ويوم عرفة
شهر ذي الحجة من الأشهر الحُرم الأربعة، ومن أشهر الحج المعلومات، وأيامه العشرة الأولى، هي أفضل أيام العام، كما صحت بذلك الأحاديث.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" يعني أيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا أن يخرج الرجل بنفسه، وماله، فلا يرجع بشيء من ذلك" (رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة).

وفي لفظ: "ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد، والتهليل والتكبير" (رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد).
وكان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر، اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدر عليه.

والصيام في هذه الأيام العشر من أعظم ما يتقرب به المسلم إلى ربه، (ما عدا اليوم العاشر - يوم العيد - فهو محرم بيقين).
وأوكدها وأفضلها هو اليوم التاسع، يوم عرفة، اليوم الذي يقف فيه الحجيج شُعثًا غُبرًا، بملابس الإحرام التي تشبه أكفان الموتى، متجردين لله مُلَبِّين له، ضارعين إليه.

فالحجاج يتقربون إلى الله هناك بالإحرام والتلبية والدعاء، وغيرهم في ديار الإسلام يتقربون إلى ربهم بالصيام، سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة، قال: يكفِّر السنة الماضية والباقية" (رواه مسلم وغيره عن أبي قتادة). وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله تعالى أن يُكفِّر السنة التي بعده والسنة التي قبله" (هذه رواية الترمذي).
ولكن هل هذا يشمل الواقفين بعرفة أيضًا؟.

جمهور العلماء على أن استحباب الصيام إنما هو لغير الحجاج.
فعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم عرفة بعرفات (رواه أحمد وابن ماجة).
وعن أم الفضل (زوجة العباس): أنهم شكوا في صوم النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فأرسلت إليه بلبن، فشرب، وهو يخطب الناس بعرفة (متفق عليه).

فدل ذلك على كراهية صومه للواقفين بهذا الموقف العظيم، والحكمة فيه أن الصوم قد يضعفهم عن الذكر والدعاء، والقيام بأعمال الحج.

هذا إلى أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، كما يدل على ذلك حديث عمر في نزول قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم) وحديث عقبة بن عامر: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب (رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم، كما في صحيح الجامع الصغير -8192)، فالراجح هنا أن يوم عرفة ملحق بأيام العيد والتشريق بالنسبة للحجاج جمعًا بين الأدلة.

صيام يوم عرفة
يوم عرفة أفضل أيام العام، وهو من الأيام العشرة من ذي الحجة، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " صيام يوم عرفة، أحتسب على الله تعالى أن يكفر ذنوب سنتين ".
فهذا يوم فضله عظيم، وفضل الصيام فيه عظيم أيضًا.
ومعلوم أن يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة.
فعلى المسلم أن ينوي صيام هذا اليوم على الأقل، إذا لم يستطع صيام الثمانية الأيام قبله، فلكل منا ذنوبه، ولكل منا سيئاته وغفلاته وهفواته، وهذه فرص متاحة للتطهر، ليبيض الإنسان صفحته أمام الله عز وجل.
فليسارع المسلم إلى صيام يوم عرفة.
وهذا لغير الحاج .. فالحاج لا يسن له صيام يوم عرفة ليكون قويًا على الدعاء والذكر والتضرع.

صيام عاشوراء وتاسوعاء
عاشوراء: هو اليوم العاشر من المحرم، وتاسوعاء: هو اليوم التاسع منه، ويبدو من مجموع الأخبار أن صيام يوم عاشوراء كان معروفًا عند قريش في الجاهلية، ومعروفًا عند اليهود كذلك.
قالت عائشة: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه، وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان قال: "من شاء صامه، ومن شاء تركه" (متفق عليه).

وقال ابن عباس: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم (أي المدينة) فرأى اليهود تصوم عاشوراء فقال: "ما هذا؟"، قالوا: هذا يوم صالح، نجّى الله فيه موسى وبني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، فقال: "أنا أحق بموسى منكم" فصامه وأمر بصيامه (متفق عليه).

وقد فرض النبي صلى الله عليه وسلم صيامه في أول الأمر وألزم به، حتى بعث مناديه ينادي في الناس أن يلتزموا صومه من النهار، وإن كانوا قد أكلوا.

فلما فُرض رمضان نُسخت فرضيته، وبقي مُستحب الصيام فقط.
فعن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صوم يوم عرفة يُكفِّر سنتين: ماضية ومستقبلة، وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة ماضية" (رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي المنتقى مع نيل الأوطار -323/4).

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على تَمَيُّز الشخصية الإسلامية في كل شيء، وأن يكون للمسلمين استقلالهم عن غيرهم، حث على صيام اليوم التاسع، أي مع العاشر، ليتميز صيامهم عن صيام أهل الكتاب.
فعن ابن عباس قال: لما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال: "فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع" قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه مسلم وأبو داود).

ولم يرد في شأن عاشوراء شيء غير الصيام، فما أحدثه بعض الناس من التزين والاغتسال، والاكتحال والتوسعة واتخاذه موسمًا أو عيدًا تذبح فيه الذبائح ويتوسع فيه الناس - كل هذا مما لا أصل له في دين الله، ولا يدل عليه دليل صحيح.
ويبدو أن هذا كان رد فعل لسلوك الشيعة الذين اتخذوه يوم حزن وحداد عام، وضرب للصدور، ولطم للخدود، وشق للجيوب، تذكيرًا بمأساة الشهيد المظلوم الحسين بن علي رضي الله عنهما.

وكلا الفريقين على خطأ، ولا تقاوم البدعة ببدعة، ولا يعالج الانحراف بانحراف آخر، وإنما برجوع الجميع إلى ما شرعه الله ورسوله.
يقول الإمام ابن القيم: (أحاديث الاكتحال يوم عاشوراء، والتزين، والتوسعة والصلاة فيه، وغير ذلك من فضائل، لا يصح منها شيء، ولا حديث واحد، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء، غير أحاديث صيامه، وما عداها فباطل.
وأمثل ما فيها: "من وسَّع على عياله يوم عاشوراء، وسع الله عليه سائر سنته"، قال الإمام أحمد: لا يصح هذا الحديث.

وأما حديث الاكتحال، والإدهان والتطيب: فمن وضع الكذابين، وقابلهم آخرون فاتخذوه يوم تألم وحزن، والطائفتان مبتدعتان خارجتان عن السنة.
وأهل السنة يفعلون فيه ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الصوم، ويجتنبون ما أمر به الشيطان من البدع) ا.هـ (المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ط. دار القلم، بيروت، تحقيق أبي غدة (ص 111-113).

وسُئل شيخ الإسلام ابن تيميه: عما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل والاغتسال والحناء والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك إلى الشارع: فهل ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح؟ أم لا؟ وإذا لم يرد حديث صحيح في شيء من ذلك فهل يكون فعل ذلك بدعة أم لا؟ وما تفعله الطائفة الأخرى من المأتم والحزن والعطش، وغير ذلك من الندب والنياحة، وشق الجيوب، هل لذلك أصل؟ أم لا؟.

فأجاب: (الحمد لله رب العالمين، لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئًا، لا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الصحابة ولا التابعين، لا صحيحًا ولا ضعيفًا، لا في كتب الصحيح، ولا في السنن، ولا المسانيد، ولا يعرف شيء من هذه الأحاديث على عهد القرون الفاضلة.

ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث مثل ما رووا أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، وأمثال ذلك..
ورووا فضائل في صلاة يوم عاشوراء، ورووا أن في يوم عاشوراء توبة آدم، واستواء السفينة على الجودي، ورد يوسف على يعقوب، وإنجاء إبراهيم من النار، وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك.

ورووا في حديث موضوع مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم أنه: "من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة". ورواية هذا كله عن النبي صلى الله عليه وسلم كذب، ولكنه معروف من رواية سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه، قال: بلغنا أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته) (مجموع فتاوى شيخ الإسلام -229/25،300).

وذكر شيخ الإسلام: (أن الحسين رضي الله عنه، لما قتل مظلومًا شهيدًا شهادة أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه، أوجب ذلك شرًا بين الناس.
فصارت طائفة جاهلة ظالمة: إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية تظهر موالاته، وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود، وشق الجيوب والتعزي بعزاء الجاهلية.

فعارض هؤلاء قومٌ، إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته. وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء كالاكتحال وكالاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح، وأولئك يتخذونه مأتمًا يقيمون فيه الأحزان والأتراح. وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة) (المصدر السابق -307/25-310).

الإكثار من الصوم في شعبان
يستحب الصيام في شهر شعبان، استعدادًا لرمضان، واقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام.
فقد قالت عائشة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم في شهر أكثر من شعبان فإنه كان يصومه كله.
وفي لفظ: ما كان يصوم في شهر ما كان يصوم في شعبان، كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه كله.
وكذلك قالت أم سلمة: لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًا إلا شعبان، يصله برمضان.
ولكن روايات أخرى دلت على أنه لم يكن يصوم شهرًا كاملاً إلا رمضان.
فلعل المراد بها: أنه لم يكن يواظب على صيام شهر كامل إلا رمضان، أما غيره فربما أتمه، وربما أفطر بعضه.
والسر في اهتمامه بصيام شعبان جاء في حديث رواه النسائي عن أسامة بن زيد: قال: قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: "ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي، وأنا صائم" (رواه النسائي).

استحباب الصوم في شعبان
شهر شعبان كان من الشهور التي يحرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن يصوم فيها أكثر من غيره من الشهور. روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستكمل صيام شهر قط غير رمضان، على خلاف ما يفعل بعض الناس في بعض البلاد العربية، حيث يصومون ثلاثة أشهر: رجب، شعبان، ورمضان . والأيام الستة من شوال، التي يسمونها " البيض "، يبدأ الصيام عندهم من أول رجب إلى السابع من شوال، ما عدا يوم العيد، الأول من شوال . وهذا لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن الصحابة ولا عن التابعين.

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم من كل شهر، وتقول عائشة: كان يصوم حتى نقول: لا يفطر . ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وأحيانًا يصوم الإثنين والخميس، وأحيانًا ثلاثة أيام من كل شهر، وخاصة الأيام البيض القمرية . وأحيانًا يصوم يومًا ويفطر يومًا، كما كان يفعل داود عليه السلام " أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا ".

وكان عليه الصلاة والسلام أكثر ما يصوم في شهر شعبان، وكأن ذلك نوع من التهيؤ والاستعداد لاستقبال رمضان. أما أن يصوم أيامًا محددة، فلم يرد قط.

وفي الشرع لا يجوز تخصيص يوم معين بالصيام، أو ليلة معينة بالقيام دون سند شرعي .. إن هذا الأمر ليس من حق أحد أيًا كان وإنما هو من حق الشارع فحسب.
تخصيص الأوقات، أو تخصيص الأماكن بالعبادات، وتحديد الصور والكيفيات، هذا من شأن الشارع ومن حقه، وليس من شأن البشر. والله تعالى أعلم.

الصيام في الأشهر الحرم
الأشهر الحرم: هي الأربعة التي عظمها الله في القرآن، حين قال: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)(التوبة: 36).
وسميت حُرمًا: لأن القتال مُحرم فيها، فكما منع القتال في البلد الحرام منع في الشهر الحرام.
وهذه الأشهر هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب (ثلاثة سرد وواحد فرد).
وقد ورد استحباب الصيام فيها، وبخاصة المُحرَّم.

ففي حديث مُجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم انطلق، فأتاه بعد سنة، وقد تغيرت حالته وهيئته، فقال: يا رسول الله، أما تعرفني؟ قال: "ومن أنت؟"، قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول، قال: "فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة"، قال: ما أكلت طعامًا إلا بليل منذ فارقتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم عذبت نفسك؟" ثم قال: "صم شهر الصبر، ويومًا من كل شهر"، قال: زدني، فإن بي قوة، قال: "صم يومين"، قال: زدني، قال: "صم ثلاثة أيام"، قال: زدني، قال: "صم من الحُرم واترك، صم من الحُرُم واترك صم من الحُرم واترك". وقال بأصابعه الثلاثة، فضمها ثم أرسلها (رواه أبو داود في الصوم (2428)، وابن ماجة (1741)، والنسائي أيضًا).

قال النووي - مُعقبًا على قوله: "صم واترك" -: (إنما أمره بالترك، لأنه كان يشق عليه إكثار الصوم، كما ذكره في أول الحديث، فأما من لا يشق عليه فصوم جميعها فضيلة) (المجموع -287/6). أ هـ.

وسيأتي أن من الأئمة من كره إفراد صيام رجب كله بالصوم.
وأولى الأشهر الحرم بالصيام هو شهر المحرم، فقد صح في الحديث: "أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" (رواه مسلم عن أبي هريرة في الصوم (1163)، وأبو داود (2429)، والترمذي (740)، وابن ماجة (1742) ونسبه المنذري للنسائي).
وأفضل أيامه تاسوعاء، وعاشوراء، وقد تقدم الحديث عنهما.

صيام رجب
الصيام في الأشهر الحرم مقبول ومستحب، على كل حال.
ولكن لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صام شهرًا كله، سوى رمضان . وكان أكثر ما يصوم في شهر شعبان، ولكن لم يكن يصومه كله، وهذه هي السنة النبوية في ذلك ... فإنه كان يصوم ويفطر في سائر الشهور، وكما ورد " كان يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم " (رواه البخاري ومسلم وأبو داوود) فما يفعله بعض الناس من صيام رجب كله، كما كنا نرى ذلك في الأرياف من قبل، فقد رأيت بعض الناس يصوم رجب وشعبان ورمضان والأيام الستة من شوال، ويسمونها " الأيام البيض " وبعد ذلك يفطر، ويكون عيده في اليوم الثامن من شوال.. وتكون حصيلة صيامه هذه الشهور الثلاثة والأيام الستة متواصلة، لا يفطر إلا يوم العيد . وهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ولا عن السلف الصالح . فالأولى صيام أيام وإفطار أيام، لا التتابع في الصيام.
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف.

فمن أراد الاتباع، وأراد الثواب الكامل، فليتبع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصم رجب كله ولا شعبان كله . فهذا هو الأولى . وبالله التوفيق.

صيام ثلاثة أيام من كل شهر
ومن الصيام المستحب: صيام ثلاثة أيام من كل شهر.
وذلك أن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها، فثلاثة أيام من الشهر، كأنها صيام الشهر كله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومها، ويحض على صيامها.

ففي الصحيحين: عن أبي هريرة: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -418).

وروى عنه أبو ذر: "من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذاك صيام الدهر" فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (الأنعام: 160). اليوم بعشرة أيام (رواه الترمذي بإسناد قوي عن أبي ذر -762).

ولكن أي ثلاثة من الشهر يصوم؟.
قال ابن مسعود: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام (رواه أبو داود (2450) في الصيام، والنسائي (204/4)، والترمذي (742) وقال: حسن).

وروى أبو ذر: "من كان منكم صائمًا من الشهر ثلاثة أيام فليصم الثلاثة البيض" (رواه أحمد -252/5، والنسائي -222/4، وابن حبان -943).

وعنه: أنه أمر رجلاً بصيام ثلاث عشرة، وأربع عشرة وخمس عشرة (رواه ابن خزيمة -2128 ويشهد له حديث جرير بن عبد الله عند النسائي بإسناد حسن كما في المجموع -385/6).

واختلاف هذه الأحاديث في تحديد هذه الأيام يدل على أن في الأمر سعة، فلكل مسلم أن يصوم من أول الشهر أو وسطه أو آخره ما هو أيسر عليه، وأليق بظروفه.

ولهذا صح عن عائشة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يبالي من أي الشهر صامها (رواه مسلم في الصوم (1160)، وأبو داود (2453)، والترمذي (763) وابن ماجة (1709) والنسائي أيضًا).
ومن ثم قال ابن القيم في الزاد: (ولا تناقض بين هذه الآثار) (زاد المعاد -65/2).

صيام الاثنين والخميس
ومن الأيام التي يستحب صيامها من كل أسبوع: صيام الاثنين والخميس، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرَّى صيامهما، كما روت ذلك عائشة وأسامة بن زيد رضي الله عنهم رواه أحمد والترمذي وقال: حسن غريب -745، والنسائي -202/4، وابن ماجة -1709 من حديث عائشة. ورواه النسائي من حديث أسامة بن زيد -201/4 وابن خزيمة -2119).
وقد سأله أسامة عن سر الحرص على صيامهما، فقال: "ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي، وأنا صائم) (رواه أبو داود -2436).

وعروض الأعمال على الله في هذين اليومين ثابت في الصحيح، فقد روى مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتى يصطلحا".

أما يوم الاثنين خاصة فقد ورد فيه حديث أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين، فقال: "ذلك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت - أو أنزل عليّ - فيه" (رواه مسلم).

صيام يوم وإفطار يوم
على أن أفضل الصيام، وأحبه إلى الله تعالى، لمن يطيق ولا يشق عليه، وهو صيام يوم، وفطر يوم، وهو صيام نبي الله داود عليه السلام، وهو ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو، عندما وجد عنده قوة الرغبة في الخيرات، والحرص على الزيادة من الصالحات.

روى البخاري عنه أنه قال: أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل، ما عشت! فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي (في الكلام ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم سأله، فأجابه بذلك)، قال :"فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر"، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "فصم يومًا، وأفطر يومين"، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "فصم يومًا، وأفطر يومًا، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام"، فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أفضل من ذلك"، وفي رواية: "لا صوم فوق صوم داود عليه السلام، شطر الدهر" (رواه البخاري في كتاب الصوم من طرق كثيرة، ورواه مسلم وغيره).

إتمام التطوع مستحب
ويستحب ممن شرع في صيام التطوع، ألا يخرج منه بلا عذر، وأن يكمله، ولا يبطله، فإن خرج منه بلا عذر، فقد كرهه جماعة من العلماء، وقال بعضهم، هو خلاف الأولى.
فأما إن خرج منه بعذر فليس فيه أدنى كراهة.

والعذر مثل أن يكون ضيفًا، أو مُضيفًا، ويشق على مضيفه أو ضيفه ألا يأكل معه، فيستحب أن يفطر لإكرامه.
وفي الصحيح: "وإن لزورك (أي زوارك) عليك حقًا"، "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه" متفق عليهما.
بخلاف ما إذا كان المُضيف أو الضيف لا يشق عليه أن يصوم فالأولى أن يستمر على صومه.
ومهما يكن من العذر أو عدمه، فإن المتطوع أمير نفسه، فليس عليه حرج إن هو خرج مما نواه من نفل، لم يلزمه به، ولا ألزم به هو نفسه بالنذر.

روت عائشة قالت: دخل النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "هل عندكم شيء؟" قلنا: لا، قال: "فإني إذن صائم"، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله، أُهدِيَ لنا حيس! فقال "أرنيه، فلقد أصبحت صائمًا" فأكل (رواه مسلم).
وفي رواية: فأكل، ثم قال: "قد كنت أصبحت صائمًا" (رواه مسلم).

وعن أبي سعيد قال: صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعامًا، فلما وُضِع، قال رجل: أنا صائم، فقال صلى الله عليه وسلم: "دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر، فصم مكانه إن شئت" (رواه البيهقي بإسناد قال الحافظ عنه: حسن).

وفي حديث أبي جحيفة في قصة سلمان وأبي الدرداء، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كل فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل .. الحديث (رواه البخاري والترمذي وصححه).

ولما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، أقر سلمان على موقفه ونصحه، وقال: صدق سلمان"، ولو كان قضاء هذا اليوم عليه واجبًا لبينه له، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

ولكن يستحب قضاء التطوع الذي لم يتمه، أخذًا بعموم قوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم) (محمد: 23) وعملاً ببعض الأحاديث الواردة الآمرة بالقضاء، وإن لم تبلغ درجة الصحة، فتحمل على الندب، وخروجًا من خلاف العلماء، فقد ذهب أبو حنيفة ومالك إلى وجوب القضاء.

وهذا الحكم مطرد في كل تطوع، من صلاة أو صدقة، إلا الحج والعمرة، فإنهما يلزمان بالشروع فيهما بالإجماع

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:01 PM
الصوم بغير صلاة
من الغرائب، التي تحدث في حياة طائفة من المسلمين، أن تجد منهم من يحرص على صوم رمضان، ولكنه - للأسف - لا يحرص على أداء الصلاة.

فلرمضان هيبة وحرمة عظيمة في أنفس الناس، توارثوها خلفًا عن سلف فلا يجرؤ على انتهاكها إلا فاجر، يوشك ألا يكون له أي حظ من الإسلام.

ولا ريب أن الصلاة أعظم في ميزان الدين من الصيام، وهي العبادة الأولى وعمود الإسلام، والفيصل بين المسلم والكافر، ولكن الجهل والغفلة، وحب الدنيا، جعل بعض الناس يغفلون عن أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام، حتى إن بعضهم ليعيش عمره ولا ينحني لله يومًا راكعًا!!.

وأصبحنا في كل رمضان نواجه هذا السؤال المتكرر: ما حكم من يصوم ولا يصلي؟.
أما من يقول: إن تارك الصلاة كافر، كما هو ظاهر بعض الأحاديث، وهو مروي عن عدد من الصحابة والفقهاء مثل أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهما - ففتواه واضحة في شأنه، فهو يرى أن صومه باطل، لأنه كافر بترك الصلاة، والصوم لا يُقبل من كافر.

وأما من يرى رأي جمهور الفقهاء من السلف والخلف: بأن تارك الصلاة فاسق، غير كافر، وأن الله لا يضيع عنده عمل عامل، ولا يظلم مثقال ذرة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره) (الزلزلة: 7،8) فهو يرى أنه مؤاخذ بترك الصلاة، مثاب على أداء الصيام، وأن عقابه على ترك فريضة، لا يلغي ثوابه على تأدية غيرها. والله تعالى يقول: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) (الأنبياء: 47).
وإذا نظرنا من الناحية العملية والتربوية، فماذا يفيدنا أن نقول للصائم بغير صلاة صومك وعدمه سواء، ولا أجر لك عليه؟ فربما دفعه هذا إلى ترك الصوم كما ترك الصلاة وبهذا ينقطع آخر خيط كان يصله بالدين من الفرائض والعبادات، وربما ذهب بسبب هذا الموقف بعيدًا عن الدين إلى غير رجعة!.

وأولى من ذلك وأنفع، أن نقول له: جزاك الله خيرًا عن صومك، وعليك أن تكمل إسلامك، بما هو أعظم من الصوم، وهو الصلاة، لقد جعت وعطشت وحرمت لمرضاة الله، فما لك تتكاسل أن تصف قدميك مع المصلين، وتركع مع الراكعين، من أجل مرضاة الله؟!.

إن إبقاء هذا الخيط يربطه بالإسلام، ولو كل عام شهرًا، خير من قطعه إلى غير بدل، والعور خير من العمى على كل حال.

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:02 PM
الصيام المكروه
صوم الدهر
يكره للإنسان العادي أن يصوم الدهر، فلا يفطر.
والمراد بصيام الدهر: سرد الصوم متتابعًا في جميع الأيام، إلا الأيام التي لا يصح صومها، وهي العيدان وأيام التشريق.
روى عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا صام من صام الأبد ولا صام من صام الأبد" (متفق عليه).
وعن أبي قتادة أن عمر قال: يا رسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: "لا صام ولا أفطر" (رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة، المنتقى مع نيل الأوطار -343/4).

وعن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار، وتقوم الليل؟" فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإذن ذلك صيام الدهر كله"، فشددت فشدد عليّ، قلت: يا رسول الله، إني أجد قوة، قال: "فصم صيام نبي الله داود عليه السلام ولا تزد عليه" قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: "نصف الدهر"، وكان عبد الله يقول بعد ما كَبِر: يا ليتني قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه البخاري ومسلم). وفي بعض روايات الحديث وقد سبقت صوم يوم وفطر يوم: أنه قال له عن صوم داود: "و هو أفضل الصيام"، وحين قال عبد الله: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: "لا أفضل من ذلك".

وعن أنس في حديث الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فكأنهم تقالُّوها (أي اعتبروها قليلة) وقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ .. الحديث، وفيه :أن أحدهم قال: وأنا أصوم الدهر فلا أفطر .. كان من إنكار النبي صلى الله عليه وسلم، عليهم أن قال: "أنا أخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر ... فمن رغب عن سنتي فليس مني" (رواه البخاري).

وعن سلمان وأبي الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينهما فجاء سلمان يزور أبا الدرداء فوجد أم الدرداء (وهي زوجة أبي الدرداء) مُتَبَذِّلة! فقال: ما شأنك؟! فقالت: إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجة في شيء من الدنيا .. الحديث. وفيه: أن سلمان قال لأبي الدرداء: إن لربك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا، ولجسدك عليك حقًا، فصم وأفطر، وقم ونم، وآت أهلك وأعط كل ذي حق حقه. فذكر أبو الدرداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "صدق سلمان" (رواه البخاري).

وكل هذه الأحاديث دالَّة بوضوح على كراهية صوم الدهر، بل ذهب ابن حزم إلى أنه يحرم.
ووجه الدلالة من الأحاديث: أنه دعا على من صام الأبد بقوله: (لا صام) وفي هذا تغليظ.
وأخبر أنه لم يصم، ولم يفطر، ومعناه: أنه لم يُحصِّل أجر الصوم لمخالفته ولم يفطر، لأنه أمسك.

وأنه أمر عبد الله بن عمرو أن يصوم ويفطر، وأخبره بأن صوم يوم وفطر يوم أفضل الصيام، وأحبه إلى الله، ومعناه: أن غير ذلك مفضول. وقال له: "لا أفضل من ذلك"، وقال: "لا تزد عليه".

وأخبر عن هديه وسنته بأنه يصوم ويفطر، ومن رَغِبَ عن سنته فليس منه.
وأقر سلمان على ما نصح به لأبي الدرداء: أن يصوم ويفطر، حتى لا يفرط في الحقوق الأخرى.

والحق أن هذا يتفق مع منهج الإسلام في ضرورة الاعتدال بين حق الرب تعالى وحظ النفس، وإقامة التوازن بين الحقوق بعضها وبعض.

كما يتفق مع منهجه العام في الرفق بالمُكلَّفين، والتيسير عليهم، وتشريع الرخص لهم، والتزام صوم الدهر ينافي ذلك، فقد تأتي على الصائم أيام شديدة الحر، أو تطرأ عليه أعباء فتقضي أن يكون قويًا على القيام بها .. إلى غير ذلك. وفي الحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه".

ومع وضوح هذه الدلائل صحَّ عن عدد من الصحابة والتابعين ورجال السلف أنهم كانوا يصومون الدهر.
منهم: أم المؤمنين عائشة، فقد روى عروة ابن أختها: أنها كانت تصوم الدهر في السفر والحضر.
ومنهم: أبو طلحة الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وأبو أمامة وامرأته، وعدد من التابعين، حتى إن منهم من سرد الصوم أربعين سنة (انظر: المجموع للنووي -390/6).

ومن أجل هذا ذهب الجمهور إلى جواز صوم الدهر، بل إلى استحبابه، وحملوا النهي الوارد على من صام الدهر حقيقة بأن صام العيدين وأيام التشريق. وقد روي عن عائشة وتابعها عليه خلائق من العلماء (المجموع للنووي -390/6).
نقل ابن قدامة عن أحمد قال: (إذا أفطر يومي العيدين، وأيام التشريق رجوت ألا يكون بذلك بأس). قال: (وروي نحو هذا عن مالك، وهو قول الشافعي).

قال ابن قدامة: (والذي يقوى عندي أن صوم الدهر مكروه، وإن لم يصم هذه الأيام، فإن صامها فقد فعل محرمًا، وإنما كره صوم الدهر، لما فيه من المشقة والضعف، وشبه التبتل المنهي عنه)، وذكر حديث عبد الله بن عمرو (المغني مع الشرح الكبير -99/3).
وبعضهم حمل النهي على ما إذا خاف بمتابعة الصوم ضررًا، أو فوَّت به حقًا، فإن خاف ضررًا أو فوَّت حقًا كُرِهَ (المجموع (388/6،389).

والمفروض في هذه الحالة أن يحرم، لأن الإضرار بالنفس لا يجوز، وكذلك تضييع حقوق الآخرين لا يجوز. وهذا ما قالوه في صوم المرأة تطوعًا بغير إذن زوجها، لما فيه من تفويت حقه (انظر: المجموع أيضًا -392/6).
والحق هنا: أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد صح عنه بلا ريب أنه كان يصوم ويفطر، ولم يداوم على صيام شهر كامل غير رمضان وحسبنا قوله في هذا المقام: "من رغب عن سنتي فليس مني".
وأما من اجتهد من خيار السلف فصام الدهر، فهو اجتهاد منهم، نرجو ألا يحرموا من أجره إن شاء الله.

إفراد شهر رجب بالصوم
قد تقدم أن صوم الأشهر الحرم مستحب في الجملة ورجب منها.
ولكن رأي الإمام أحمد كراهية إفراد رجب بالصيام، ما لم يفطر فيه بعض الأيام.
وروي عن عمر: أنه كان يضرب أكف المترجبين، حتى يضعوها في الطعام ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية.
وعن ابن عمر: أنه كان إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كرهه، وقال: صوموا منه وأفطروا.
وعن ابن عباس نحوه.

وعن أبي بكرة: أنه دخل على أهله، وعندهم سلال جدد وكيزان، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجب نصومه، قال: أجعلتم رجب رمضان؟! فأكفأ السلال وكسر الكيزان.
قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه، وإلا فلا يصومه متواليًا، يفطر فيه ولا يشبهه رمضان (المغني مع الشرح الكبير -99/3).

إفراد يوم الجمعة
ويكره إفراد يوم الجمعة بالصيام، إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه مثل من يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فيوافق صومه يوم الجمعة، ومن عادته صوم أول يوم من الشهر، أو آخره، أو يوم نصفه، ونحو ذلك، فيوافق الجمعة.
وفي الحديث: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده" (متفق عليه).

وقال محمد بن عباد: سألت جابرًا: أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم (متفق عليه).
وعن جويرية بنت الحارث أم المؤمنين: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال: "أصمت أمس؟"، قالت: لا، قال: "أتريدين أن تصومي غدًا؟"، قالت: لا، قال: "فأفطري" (رواه البخاري).

وهذا يدل على أن المكروه إفراده بالصوم، لأن نهيه معلل بأنها لم تصم أمس، ولا تصوم غدًا. يؤكد هذا حديث أبي هريرة: "لا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام إلا أن يكون في صوم يوم يصومه أحدكم" (رواه الترمذي وحسنه).
وحكمة ذلك: أن يوم الجمعة هو العيد الأسبوعي للمسلمين، فَكُرِهَ الصوم فيه، تشبيهًا بالعيد الحقيقي.
وأيضًا: فيه سد لذريعة اعتقاد وجوب صيامه إذا خُصَّ به دُووِمَ عليه.

إفراد يوم السبت
وكُرِهَ كذلك إفراد يوم السبت بالصوم، كما روى عبد الله بن بسر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افْتُرِضَ عليكم" (رواه مسلم).

وروى ابن بسر أيضًا عن أخته الصماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افْتُرِضَ عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لِحاء عنبة، أو عود شجرة، فليمضغه" (رواه أبو داود).

والمكروه إنما هو إفراده، فإن صام قبله أو بعده لم يكره، لما تقدم من حديث جويرية.
وإنما كره صوم يوم السبت، لأنه عيد اليهود الأسبوعي، وهو يوم يُعَظَّمُ عندهم، فقد يوهم الصيام فيه نوع موافقة لهم في تعظيمه.

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:03 PM
المضمضة والاستنشاق للصائم
المضمضة والاستنشاق في الوضوء، إما سنتان من سننه كما هو مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وإما فرضان من فروضه كما هو مذهب الإمام أحمد الذي اعتبرهما جزءًا من غسل الوجه المأمور به . وسواء كانتا من السنن أم الفرائض، فلا ينبغي تركهما في الوضوء في صيام أو فطر.

كل ما على المسلم في حالة الصيام ألا يبالغ فيهما . كما يبالغ في حالة الإفطار فقد جاء في الحديث: " إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائمًا " (أخرجه الشافعي وأحمد والأربعة والبيهقي) . فإذا تمضمض الصائم أو استنشق وهو يتوضأ، فسبق الماء إلى حلقه من غير تعمد ولا إسراف، فصيامه صحيح، كما لو دخل غبار الطريق، أو غربلة دقيق، أو طارت ذبابة إلى حلقه، لأن كل هذا من الخطأ المرفوع عن هذه الأمة . وإن خالف في ذلك بعض الأئمة.

على أن المضمضة لغير الوضوء أيضًا لا يؤثر على صحة الصيام . ما لم يصل الماء إلى الجوف . والله أعلم.

ترجيح التضييق في المفطرات
لقد توسع الفقهاء - رضي الله عنهم - في أمر المفطرات توسعًا ما أظنه خطر ببال أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين شاهدوا التنزيل، وفهموا عن الله ورسوله فأحسنوا الفهم، والتزموا فأحسنوا الالتزام.

وروى البخاري بسنده عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان - أي وهو جنب - من غير حلم، فيغتسل ويصوم (انظر: فتح الباري -153/4).

ذكر في (باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا):.
وقال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس إن لم يملك (ذكر في (الفتح) هذا الأثر موصولاً عن عبد الرزاق عن ابن جريج: قلت لعطاء: إنسان يستنثر فدخل الماء في حلقه! قال: لا بأس بذلك. قال: وقاله عمر عن قتادة). - أي لم يملك دفع الماء - فإن ملك دفعه فلم يفعل حتى دخل حلقه أفطر.

وقال الحسن: إن دخل حلقه الذباب فلا شيء عليه (فتح الباري -155/4).
وكذلك ذكر البخاري: (باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأ فليستنشق بمنخره الماء" ولم يميز بين الصائم وغيره.
وقال الحسن: لا بأس بالسعوط للصائم، إن لم يصل إلى حلقه، ويكتحل.

وقال عطاء: إن تمضمض ثم أفرغ ما في فيه من الماء لا يضره، إن لم يزدرد ريقه (هذا الأثر عند سعيد بن منصور عن ابن جريج: قلت لعطاء: الصائم يمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم! قال: لا يضره، وماذا بقي في فيه؟! -الفتح 160/4). وماذا بقي في فيه؟ ولا يمضغ العلك - اللبان ونحوه - فإن ازدرد ريق العلك، لا أقول: إنه يفطر ولكن ينهى عنه، فإن استنثر فدخل الماء حلقه لا بأس لم يملك - أي لم يملك دفع الماء -) (فتح الباري -159/4).

وفي (باب الحجامة والقيء للصائم) روي عن أبي هريرة قوله: (إذا قاء فلا يفطر، إنما يخرج ولا يولج، ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر، والأول أصح، وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم مما دخل وليس مما خرج، وكان ابن عمر يحتجم وهو صائم، ثم تركه، فكان يحتجم من الليل - أي احتياطًا منه، وكان كثير الاحتياط -) (المصدر السابق -173/4،174).

قال الحافظ (إيراده - أي البخاري - للآثار المذكورة يشعر بأنه يرى عدم الإفطار بها) (المصدر السابق -174/4).
وقال الإمام ابن قدامة: (أجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يتغذى به. فأما ما لا يتغذى به فعامة أهل العلم على أن الفطر يحمل به، وقال الحسن بن صالح: لا يفطر بما ليس بطعام ولا شراب، وحكى عن أبي طلحة الأنصاري: أنه كان يأكل البرد في الصوم، ويقول: ليس بطعام ولا شراب).

تقرأ في كتب الحنفية فتجد ما يقرب من ستين مفطرًا من المفطرات، ومثل ذلك أو قريب منه في المذاهب الأخرى، وملأوا مساحات واسعة من كتب الفقه، وشغلوا مثلها من تفكير المسلمين واهتماماتهم، وأصبحت معرفة هذه المفطرات الكثيرة الغزيرة الشغل الشاغل للصائمين ولأهل الفتوى، في كل رمضان، ازدحمت المجلات والصحف والإذاعات والمساجد بالأسئلة والأجوبة حول هذه المفطرات.

وبها بعد الدين عن يسره وفطرته، وأصبح شيئًا معقدًا يحتاج إلى دراسة مطولة لكل عبادة من العبادات، حتى يعرف مداخلها ومخارجها، وأركانها وشروطها.

والواقع أن جُلَّ ما يقال في هذا المجال مما لم يدل عليه محكم قرآن ولا صحيح سنة، ولا إجماع أمة، إنما هي اجتهادات يؤخذ منها ويترك، وآراء بشر، يجب أن تحاكم وترد إلى النصوص الأصلية، والقواعد المرعية، والمقاصد الكلية.
والذي أميل إليه هنا: ألا يُفطِّر الصائم إلا ما أجمع الفقهاء على التفطير به، وذلك ما دل عليه محكم القرآن وصحيح السنة، واتفق مع حكمة الشارع من الصيام، وهو الحرمان من الشهوات، وفطام النفس عن المألوفات.

اتجاه البخاري
وهو الذي يميل إليه الإمام البخاري، كما يبدو مما ذكره في صحيحه. فقد قال في (باب اغتسال الصائم): (وبل ابن عمر رضي الله عنهما ثوبًا، فألقاه عليه، وهو صائم.
ودخل الشعبي الحمام وهو صائم.
وقال ابن عباس: لا بأس أن يتطعم القِدْر أو الشيء - أي يتذوقه -.
وقال الحسن: لا بأس بالمضمضة والتبرد للصائم.
وقال ابن مسعود: إذا كان يوم صوم أحدكم فليصبح دهينًا مترجلاً - يعني يدهن شعره ويرجله -.
وقال أنس: إن لي "أبزن" أتقحم فيه وأنا صائم - والأبزن: كلمة فارسية، وهي حجر منقور شبه الحوض-.
وقال ابن عمر: ويستاك أول النهار وآخره، ولا يبلع ريقه.
وقال عطاء: إن ازدرد ريقه، لا أقول: يفطر.
وقال ابن سيرين: لا بأس بالسواك الرطب. قيل: له طعم! قال: والماء له طعم، وأنت تمضمض به.
ولم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل للصائم بأسًا) فتح الباري -153/4 ط. دار الفكر).
قال ابن قدامة: (ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بأن الكتاب والسنة إنما حرما الأكل والشرب فما عداهما يبقى على أصل الإباحة).
قال: (ولنا دلالة الكتاب والسنة على تحريم الأكل والشرب على العموم، فيدخل فيه محل النزاع، ولم يثبت عندنا ما نقل عن أبي طلحة، فلا يعد خلافًا) (المغني مع الشرح الكبير -36/3). أ.هـ.
أما تحريم الكتاب للأكل والشرب، فمسلم، ولكن من الذي يقول: إن من ابتلع حصاة، أو حبة خردل، أو ما بين أسنانه، أو نخامة أو بلغمًا، أو اكتحل فأحس طعم الكحل في حلقه أو استعمل الحقنة في دبره.. إلخ.. أن هذا يدخل في عموم الأكل أو الشرب المحرم على الصائم، وهذا ما لا دليل عليه.

مذهب ابن حزم
وهذا هو الذي رجَّحه الإمام الظاهري أبو محمد بن حزم، الذي لم يجد في ظواهر نصوص الشرع ما يؤيد التوسع الذي ذهب إليه جمع من الفقهاء، فقال في (المُحلى):.
(ولا ينقض الصوم حجامة، ولا احتلام.. ولا قيء غالب، ولا قلس خارج من الحلق ما لم يتعمد رده بعد حصوله في فمه وقدرته على رميه، ولا دم خارج من الأسنان أو الجوف، ما لم يتعمد بلعه، ولا حقنة ولا سعوط ولا تقطير في أذن، أو في إحليل أو في أنف ولا استنشاق وإن بلغ الحلق، ولا مضمضة دخلت الحلق من غير تعمد ولا كحل - أو إن بلغ إلى الحلق نهارًا أو ليلاً - بعقاقير أو بغيرها، ولا غبار طحن، أو غربلة دقيق، أو حناء، أو غير ذلك أو عطر، أو حنظل، أو أي شئ كان، ولا ذباب دخل الحلق بغلبة، ولا من رفع رأسه فوقع في حلقه نقطة ماء بغير تعمد لذلك منه، ولا مضغ زفت أو مصطكي أو علك، ولا سواك برطب أو يابس، ومضغ طعام أو ذوقه، ما لم يتعمد بلعه، ولا مداواة جائفة أو مأمومة بما يؤكل أو يشرب أو بغير ذلك، ولا طعام وجد بين الأسنان: أي وقت من النهار وجد، إذا رمي، ولا دخول حمام، ولا تغطيس في ماء، ولا دهن شارب) (المحلى لابن حزم -300/6،301).

قال أبو محمد: (إنما نهانا الله تعالى في الصوم عن الأكل، والشرب والجماع وتعمد القيء والمعاصي، وما علمنا أكلا، ولا شربًا، يكون على دبر، أو إحليل أو أذن أو عين، أو أنف، أو من جرح في البطن، أو الرأس!! وما نهينا قط عن أن توصل إلى الجوف - بغير الأكل، والشرب - ما لم يحرم علينا إيصاله) (المصدر السابق -318/6).!!.

ترجيح ابن تيمية
وهذا الاتجاه هو الذي أيده - وتوسع في تأييده بعدد من الحجج القوية - شيخ الإسلام ابن تيمية، في رسالة له، نُشرت منفردة، وضمن مجموع فتاواه.
ونظرًا لأهمية الموضوع، وحاجة عموم الناس إليه، لصلته بعبادة تتعلق بجميع المسلمين، ويتكرر السؤال عنها كل عام، وتختلف الأجوبة فيها إلى حد يحير المسلم العادي.

أرى أن أنقل هنا أهم ما استدل به شيخ الإسلام لهذا الاتجاه الذي يضيق فيما يُفطر الصائم.
فقد تكلم عن الكحل والحقنة، وما يُقطر في الإحليل، ومداواة الآمة (جرح الدماغ) والجائفة (جرح الجوف) وغيرها مما تنازع فيه أهل العلم، هل يفطر به الصائم أو لا؟.

قال: والأظهر أنه لا يفطر شيء من ذلك، فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة، كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك لا حديثًا صحيحًا ولا ضعيفًا ولا مسندًا ولا مرسلاً، علم أنه لم يذكر شيئًا من ذلك.

والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر كالحقنة ومداواة المأمومة والجائفة، لم يكن معهم حجة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، وأقوى ما احتجوا به قوله: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" قالوا: فدل ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله، وعلى القياس كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها، سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه.

ثم قال رضي الله عنه:.
وإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى لا بد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانًا عامًا، ولا بد أن تنقل الأمة ذلك: فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب، فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين الإفطار بغيره. فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن، والبخور قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل في الدماغ وينعقد أجسامًا، والدهن يشربه البدن ويدخل إلى داخله ويتقوى به الإنسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة، فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز تطييبه وتبخيره وادّهانه، وكذلك اكتحاله.

وقد كان المسلمون في عهده صلى الله عليه وسلم يجرح أحدهم، إما في الجهاد وإما في غيره، مأمومة وجائفة، فلو كان هذا يفطر لبين لهم ذلك، فلما لم ينه الصائم عن ذلك علم أنه لم يجعله مفطرًا.

ثم بين شيخ الإسلام: أن إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحًا، وذلك إما قياس علة بإثبات الجامع، وإما بإلغاء الفارق. فإما أن يدل دليل على العلة في الأصل فيعدى بها إلى الفرع، وإما أن يعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع، وهذا القياس هنا منتف.

وذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر الذي جعله الله ورسوله مفطرًا هو ما كان واصلاً إلى دماغ أو بدن، أو ما كان داخلاً من منفذ، أو واصلاً إلى الجوف، ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله، ويقولون: إن الله ورسوله إنما جعل الطعام والشراب مفطرًا، لهذا المعنى المشترك من الطعام والشراب، ومما يصل إلى الدماغ والجوف من دواء المأمومة والجائفة، وما يصل إلى الجوف من الكحل ومن الحقنة والتقطير في الإحليل ونحو ذلك.

وإذا لم يكن على تعليق الله ورسوله للحكم بهذا الوصف دليل، كان قول القائل: "إن الله ورسوله إنما جعلاً هذا مفطرًا لهذا" قولاً بلا علم، وكان قوله: "إن الله حرم على الصائم أن يفعل هذا" قولاً بأن هذا حلال وهذا حرام بلا علم، وذلك يتضمن القول على الله بما لا يعلم، وهذا لا يجوز.

ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحكم فهو منزلة من اعتقد صحة مذهب لم يكن صحيحًا، أو دلالة لفظ على معنى لم يرده الرسول، وهذا اجتهاد يثابون عليه، ولا يلزم أن يكون قولاً بحجة شرعية يجب على المسلم اتباعها.
ثم ذكر شيخ الإسلام أن القياس إنما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم.

ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيضة، وليس كذلك الكحل والحقنة ومداواة الجائفة والمأمومة. فإن الكحل لا يغذى البتة، ولا يدخل أحد كحلاً إلى جوفه لا من أنفه ولا فمه، وكذلك الحقنة لا تغذي، بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئًا من المسهلات أو فزع فزعًا أوجب استطلاق جوفه وهي لا تصل إلى المعدة.

والدواء الذي يصل إلى المعدة في مداواة الجائفة والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه والله سبحانه قال: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

وقال صلى الله عليه وسلم: "الصوم جنة" وقال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والصوم".

فالصائم نهي عن الأكل والشرب لأن ذلك سبب التقوي... (انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية -234/25 - 245).

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:04 PM
المعاصي وتأثيرها على الصيام
الصيام عبادة تعمل على تزكية النفس، وإحياء الضمير، وتقوية الإيمان وإعداد الصائم ليكون من المتقين، كما قال تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

ولهذا يجب على الصائم أن يُنَزِّه صيامه عما يجرحه، وربما يهدمه، وأن يصون سمعه وبصره وجوارحه عما حرم الله تعالى، وأن يكون عفَّ اللسان، فلا يلغو ولا يرفث، ولا يصخب ولا يجهل، وألا يقابل السيئة بالسيئة، بل يدفعها بالتي هي أحسن، وأن يتخذ الصيام درعًا واقية له من الإثم والمعصية، ثم من عذاب الله في الآخرة ولهذا قال السلف: إن الصيام المقبول ما صامت فيه الجوارح من المعاصي، مع البطن والفرج عن الشهوة.

وهذا ما نبهت عليه الأحاديث الشريفة، وأكده تلاميذ المدرسة النبوية.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب - وفي رواية: (ولا يجهل) - فإن امرؤ سابه أو قاتله فليقل: إني صائم، مرتين " (متفق عليه عن أبي هريرة).
وقال عليه الصلاة والسلام: " من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (رواه البخاري في كتاب الصوم).

وقال: " رب صائم ليس - له من صيامه إلا الجوع " (رواه النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه عنه أحمد والحاكم والبيهقي بلفظ " رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش").

وكذلك كان الصحابة وسلف الأمة يحرصون على أن يكون صيامهم طُهرة للأنفس والجوارح، وتَنزُّهًا عن المعاصي والآثام..
قال عمر بن الخطاب: ليس الصيام من الشراب والطعام وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو.
وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء..

وروى طليق بن قيس عن أبي ذر قال: إذا صمت فتحفظ ما استطعت. وكان طليق إذا كان يوم صيامه، دخل فلم يخرج إلا إلى صلاة..
وكان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد، وقالوا: نُطهر صيامنا.
وعن حفصة بنت سيرين من التابعين قالت: الصيام جنة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة!.
وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يقولون: الكذب يفطِّر الصائم!.

وعن ميمون بن مهران: إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب (ذُكر هذه الآثار كلها ابن حزم في المُحلى -6 / 475، 476).
ومن أجل ذلك ذهب بعض السلف إلى أن المعاصي تفطِّر الصائم فمن ارتكب بلسانه حرامًا كالغيبة والنميمة والكذب، أو استمع بأذنه إلى حرام كالفحش والزور، أو نظر بعينه إلى حرام كالعورات ومحاسن المرأة الأجنبية بشهوة، أو ارتكب بيده حرامًا كإيذاء إنسان أو حيوان بغير حق، أو أخذ شيئًا لا يحل له، أو ارتكب برجله حرامًا، بأن مشى إلى معصية، أو غير ذلك من أنواع المحرمات، كان مفطرًا.

فاللسان يُفطِّر، والأذن تُفطِّر، والعين تُفطِّر، واليد تُفطِّر، والرجل تُفطِّر، كما أن البطن تُفطِّر، والفرج يُفطِّر.
وإلى هذا ذهب بعض السلف: أن المعاصي كلها تُفطِّر، ومن ارتكب معصية في صومه فعليه القضاء، وهو ظاهر ما روي عن بعض الصحابة والتابعين.
وهو مذهب الإمام الأوزاعي.
وهو ما أيده ابن حزم من الظاهرية.
وأما جمهور العلماء: فرأوا أن المعاصي لا تُبطل الصوم، وإن كانت تخدشه وتصيب منه، بحسب صغرها أو كبرها.
وذلك أن المعاصي لا يسلم منها أحد، إلا من عصم ربك، وخصوصًا معاصي اللسان ؛ ولهذا قال الإمام أحمد: لو كانت الغيبة تفطّر ما كان لنا صوم!.

هذا والإمام أحمد من هو وهو في ورعه وزهده وتقواه، فماذا يقول غيره؟!.
ويؤكد هؤلاء العلماء: أن المعاصي لا تبطل الصوم، كالأكل والشرب، ولكنها قد تذهب بأجره، وتضيع ثوابه.
والحق أن هذه خسارة ليست هينة لمن يعقلون، ولا يستهين بها إلا أحمق. فإنه يجوع ويعطش ويحرم نفسه من شهواتها، ثم يخرج في النهاية ورصيده (صفر) من الحسنات!.

يقول الإمام أبو بكر بن العربي في شرح حديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
(مقتضى هذا الحديث: أن من فعل ما ذُكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه).

وقال العلامة البيضاوي:.
(ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع، والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر اللّه إليه، نظر القبول، فيقول: " ليس للّه حاجة " مجاز عن عدم قبوله فنفى السبب وأراد المسبب والله أعلم).

إن الصيام في رمضان خاصة فرصة للتطهر من آثام أحد عشر شهرًا مضت، فمن صام صيام المؤمنين المحتسبين، كان جديرًا أن يخرج من الشهر مغفورًا له، مطهرًا من الذنوب، وخصوصًا الصغائر التي يقترفها الإنسان في مصبحه وممساه، ومراحه ومغداه، وقد يستخف بها مرتكبها، ولا يدري أنها إذا تكاثرت عليه أردته وأهلكته.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مُكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر" (رواه مسلم عن أبي هريرة).

وقد مر بنا الحديث المتفق عليه:" من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
فمن لوث صيامه بالمعاصي في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه، فقد أضاع على نفسه فرصة التطهر، ولم يستحق المغفرة الموعودة، بل ربما أصابه ما دعا به جبريل عليه السلام، وأمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم:" من أدرك رمضان فلم يغفر له، فأبعده الله " (رواه ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده، وقد ثبت نحوه من حديث أبي هريرة وكعب بن عجرة).

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:05 PM
قضاء رمضان بعد مرور رمضان آخر
بعض الأئمة يقولون، بأنه إذا مرّ رمضان وجاء آخر ولم يقض ما عليه من أيام أفطرها في رمضان السابق، فعليه القضاء والفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم مدًا من غالب قوت البلد، والمدّ يساوي تقريبًا نصف كيلو غرام، يزيد قليلاً.

هذا في مذهب الشافعية، والحنابلة، عملاً بما جاء عن عدد من الصحابة، والأئمة الآخرون لم يوجبوا هذا.

على كل حال، فإن حدث معه مثل هذا فعليه القضاء جزمًا، أما الإطعام أو الفدية فإن فعلها فحسن، وإن تركها فلا حرج عليه إن شاء الله، حيث لم يصح شيء في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

أما عند الشك في عدد الأيام، فيعمل الإنسان بغالب الظن، أو باليقين .. فلكي يطمئن الإنسان على سلامة دينه وبراءة ذمته، فليصم الأكثر، وله على ذلك مزيد الأجر والثواب

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:06 PM
قضاء ما فات من رمضان في شعبان
ما فات من رمضان من أيام على المسلم أو على المسلمة فعليه أن يقضيه عند الاستطاعة حينما تتاح له الفرصة، طيلة أشهر العام، قبل رمضان التالي، ومعنى هذا أن أمام المسلم أحد عشر شهرًا يستطيع أن يقضي فيها ما فاته من رمضان، سواء كان أفطر لعذر مرض أو سفر أو لعذر حيض أو لغير ذلك من أعذار.

هناك نوع من السعة في الشرع، لقضاء ما فات من رمضان.

يستطيع أن يقضي في شوال - أي بعد رمضان مباشرة . وما بعد شوال.

ولا شك أن المبادرة أفضل، مسارعة في الخيرات، كما قال تعالى: (فاستبقوا الخيرات) ولأن إنسانًا لا يضمن أجله، ولهذا يكون الأحوط لنفسه والأضمن لآخرته أن يعجل بإبراء ذمته بقضاء ما فاته.

فإذا أجله لعذر ما، كشدة الحر، أو لضعف وعجز في صحته، أو طرأت عليه مشاغل لم يتمكن معها من الصوم قضاء ما فاته، يستطيع أن يقضي إلى رمضان الآتي.

فإذا جاء شعبان ولم يقض ما فاته، فإن عليه أن يقضي في شعبان، لأنه الفرصة الأخيرة وقد كانت تفعل ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه، فقد كانت كثيرًا ما يفوتها بعض أيام من رمضان، فتقضيها في شعبان .. وذلك لا حرج فيه، وإن كان هناك اشتباه لدى بعض الناس في هذا الأمر، فهذا لا أساس له من الشرع .. إذ كل الشهور يمكن أن تكون محلاً لقضاء ما فات من رمضان.

ولكن هب أن إنسانًا كان مريضًا في شهر رمضان الماضي، وحتى الآن، وقد وافاه رمضان التالي وهو على حاله من المرض، لا يستطيع قضاء ما فاته إلا بمشقة شديدة وحرج وإعنات. ومثل هذا يبقى ما فاته من صيام رمضان دينًا مؤجلاً عليه إلى ما بعد رمضان، حين يستعيد صحته ومقدرته على الصيام، ولا حرج عليه في ذلك، فالله تعالى ختم آية الصوم بقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).(البقرة: 185)

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:06 PM
من مات وعليه صيام
إذا مات المريض أو المسافر، وهما على حالهما من المرض والسفر، لم يلزمهما القضاء، لعدم إدراكهما عدة من أيام أخر.

وإن صح المريض، وأقام المسافر، ثم ماتا، لزمهما القضاء بقدر الصحة والإقامة لإدراكهما العدة بهذا المقدار.

ومعنى اللزوم هنا أنه أصبح في ذمته، وتبرأ ذمته بأحد أمرين:
1- إما بصيام وليه عنه، لحديث عائشة في الصحيحين مرفوعا: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -704). ورواه البزار، بزيادة لفظ "إن شاء" (قال في مجمع الزوائد -179/3: وإسناده حسن).

فصيام الولي عن الميت من باب البر به لا الوجوب عليه، ويؤيد ذلك ما رواه الشيخان، عن ابن عباس: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: "نعم فدين الله أحق أن يقضى" (اللؤلؤ والمرجان -705).

ومن المعلوم أن الإنسان ليس مُطالبًا بقضاء دين غيره إلا من باب البر والصلة، لأن الأصل براءة الذمم، وأن المكلف غير ملزم بأداء ما يثبت في ذمة غيره.
فالصحيح جواز الصيام عن الميت لا وجوبه، وبه تبرأ ذمة الميت.

2- وإما بالإطعام عنه، أي بإخراج طعام مسكين من تركته وجوبًا، عن كل يوم فاته لأنه دَيْن لله، تعلق بتركته، ودَيْن الله أحق أن يقضى.

واشترط بعض الفقهاء أن يكون قد أوصى بذلك، وإلا لم يخرج من تركته شيء لأنها حق الورثة.

والصحيح أن حق الورثة من بعد وصية يوصي بها أو دَيْن وهذا دَيْن، لأنه حق المساكين في ماله،

والله أعلم

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:07 PM
مقومات الصيام
إن للصوم ركنين أساسيين هما: الإمساك والنية ونعني بالأول: الإمساك عن شهوات الطعام والشراب والمباشرة وما في حكمها طوال يوم الصوم.

والمراد بما في حكم الطعام والشراب: الشهوات التي اعتادها بعض الناس وإن لم تكن طعامًا، ولا شرابًا، مثل التدخين، الذي يراه المبتلون به أهم من الأكل والشرب، فهو ممنوع في الصوم سواء كان عن طريق السيجارة، أو الشيشة، أو المضغ، أو النشوق، أو غيرها، وهذا بإجماع علماء المسلمين في أقطار الأرض، لأنه من أشد الشهوات التي يجب فطام الأنفس عنها في الصيام.

وأشد منه وأبلغ في المنع تناول المخدرات المحرمة أشد التحريم، مثل الحشيش والأفيون والهيروين، والكوكايين ونحوه، وإن أخذت بطريق الشم أو الحقن أو أي طريق كان.

ويدخل في حكم الأكل والشرب: كل ما يتناول قصدًا بالفم، ويصل إلى المعدة، وإن لم يكن مشتهي ولا مستلذًا به، مثل أنواع الأدوية التي تتناول بالفم شربًا أو امتصاصًا، أو ابتلاعًا، وهذا أمر مجمع عليه. وإذا كان المسلم في حاجة حقيقية إلي شئ من هذه الأدوية، فهو مريض يسعه أن يفطر بإذن الشارع نفسه، ولا حرج عليه ولا جناح.

كما يدخل في حكم المباشرة: إنزال المني بطريق اختياري كالاستمناء والنظر المتعمد المتكرر والتلذذ باللمس والقبلة والعناق ونحوها، مما يعتبر مقدمات للاتصال الجنسي، فإذا أنزل بإحدى هذه الطرق أفطر.

ضرورة النية
النية في الصيام وفي كل عبادة فريضة لا بد منها، ولا يهمنا أن تكون ركنا عند بعض الفقهاء، أو شرطًا عند بعضهم، فهذا خلاف علمي أو نظري لا يترتب عليه عمل، ما دام الجميع متفقين علي فرضيتها.

والمراد بالنية هنا: أن يقوم بالعبادة امتثالاً لأمر الله تعالى، وتقربًا إليه.

فقد يمسك بعض الناس عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب، ولما هو أكثر، ولكن بقصد الرياضة ونقص الوزن وما شابه ذلك.

وقد يمسك آخرون احتجاجًا علي أمر معين، وتهديدًا بالقتل البطيء للنفس كما يفعل ذلك كثيرًا المضربون عن الطعام في السجون والمعتقلات، وغيرها.

وقد يمسك بعض الناس تشاغلاً أو استغراقًا في عمل يأخذ عليه فكره، وينسيه أكله وشربه.
وكل هؤلاء ليسوا صائمين الصيام الشرعي، لأنهم لم ينووا ولم يقصدوا بإمساكهم وجوعهم وحرمانهم وجه الله تعالى، وابتغاء مثوبته.

ولا يقبل الله عبادة إلا بنية.
قال عز وجل: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (البينة: 5).
وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (متفق عليه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب).

وقال: "كل عمل ابن آدم له، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي" (متفق عليه من حديث أبي هريرة).
فمن ترك الطعام والشهوة من أجل شيء غير الله تعالى، فلم يصم الصيام الشرعي.

التلفظ بالنية
والنية محلها القلب، لأنها عقد القلب على الفعل.
والتلفظ باللسان ليس مطلوبًا، ولم يأت في نصوص الشرع ما يدل علي طلب التلفظ بها، لا في الصوم، ولا في الصلاة، ولا في الزكاة، إلا ما جاء في شأن الحج والعمرة.
والإنسان في شؤونه الدنيوية لا يتلفظ بما ينويه، فيقول: نويت السفر إلى بلد كذا، أو نويت أن آكل كذا وكذا.... إلخ فكذلك أمور الدين.

ولهذا لا تُعد النية مشكلة بالنسبة للمسلم الملتزم بالصيام فهو بطبيعته ناوٍ له، مصمم عليه، ولو كلفته ألا ينويه ما استطاع.
ومن دلائل نيته قيامه للسحور، وتهيئته له وإن لم يقم، وإعداده ما يلزم لفطور الغد، وترتيبه أعماله ومواعيده على وفق ظروف الصيام.
فلا داعي للإكثار من الكلام عن النية فهي حاضرة وقائمة لدى كل مسلم معتاد على الصوم.
إنما الذي يحتاج إليها هو من كان له عذر يبيح له الفطر، كالمريض والمسافر فيصوم حينًا، ويفطر حينًا، فإذا صام يحتاج إلى تجديد النية، ليتميز يوم صومه عن يوم فطره.

متى يجب إنشاء نية الصيام
ومن اللازم هنا: تحديد الوقت الذي يجب فيه إنشاء نية الصيام.
وجمهور الفقهاء على أن الواجب هو تبييت النية من الليل، أي إيقاعها في جزء من الليل قبل طلوع الفجر. واستدلوا بحديث ابن عمر عن حفصة مرفوعًا: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه أحمد وأصحاب السنن.
ومعنى يجمع: أي يعزم. يقال: (أجمعت) الأمر، إذا عزمت عليه.

والحديث مختلف في رفعه ووقفه وحسبنا أن البخاري وأبا داود والنسائي والترمذي وابن أبي حاتم صححوا وقفه (ذكر ذلك الحافظ في "التلخيص" المطبوع مع المجموع -304/6).، فلا يصلح إذن للاستدلال على ما اختلفوا فيه.
ولهذا كان ثمت مجال للاختلاف في وقت النية متى هو؟.

فمن أخذ بالحديث المذكور جعل وقتها قبل الفجر.
ومن لم يأخذ به أجازها قبله وبعده كما هو مذهب أبي حنيفة الذي يجيز صوم رمضان بنية من الليل، وإلى نصف النهار.
ومنهم من قصر تبييت النية على الفرض، وأما النفل فأجازوه في النهار إلى ما قبل الزوال.

وحجتهم ما رواه مسلم عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل على بعض أزواجه، فيقول: "هل من غداء؟" فإن قالوا: لا، قال: "فإني صائم" (رواه مسلم -باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال).
وكذلك ما جاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم حين فرض صوم عاشوراء أمر رجلاً من أسلم يؤذن في الناس في النهار: "ألا كل من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم" (رواه البخاري -باب صيام يوم عاشوراء، ومسلم -باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه).

بل ذهب بعضهم إلى جواز النية بعد الزوال.
ومن الفقهاء - مثل الزهري وعطاء وزفر - من لم يوجبوا النية في صوم رمضان وكأنهم - والله أعلم - يرون أن صوم رمضان لا يحتاج إلى نية من المسلم، فهو بمجرد إمساكه صائم.

وذهب الإمام مالك إلى أن نية الصيام في أول ليلة من رمضان كافية للشهر كله، ومغنية عن تجديد نية لكل ليلة، باعتبار صوم رمضان عملاً واحدًا، وعبادة واحدة، وإن كانت موزعة على الأيام، كالحج تكفيه نية في أوله، وإن كانت أفعاله موزعة على عدد من الأيام، وهو مذهب إسحاق ورواية عن أحمد.

والظاهر: أن صوم كل يوم عبادة مستقلة، مسقطة لفرض وقتها، بخلاف الحج فإنه كله عمل واحد، ولا يتم إلا بفعل ما اعتبره الشرع من المناسك، والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه.
ومهما يكن من الاختلاف في أمر النية، فالمؤكد أنها في صيام رمضان مركوزة في ضمير كل مسلم حريص على صيام شهره، وأداء فرض ربه، ولا مشكلة في ذلك على الإطلاق.

وأما في صوم التطوع، فالأحاديث قاطعة بأن إنشاءها بالنهار جائز، كما عليه عمل الرسول الكريم وصحابته، ولكن يبدو أن الذي يثاب عليه هو الوقت الذي ابتدأ فيه النية، بكّر أو تأخر، إذ لا ثواب إلا بنية

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:09 PM
الحساب الفلكي وإثبات الصيام والفطر
إن الشريعة الإسلامية السمحة حين فرضت الصوم في شهر قمري ـ شرعت في إثباته الوسيلة الطبيعية الميسورة والمقدورة لجميع الأمة، والتي لا غموض فيها ولا تعقيد، والأمة في ذلك الوقت أميَّة لا تكتبُ ولا تحسب، وهذه الوسيلة هي رؤية الهلال بالأبصار.

فعن أبي هريرةَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " صوموا لرؤيته - أي الهلال - وأفطروا لرؤيته فإن أغبى عليكم فأكملوا عِدَّةَ شعبان ثلاثين ". (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان، 656، معنى (أغبى) : من الغباء وهو الغبرة في السماء).

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال : " لا تصوموا حتى تروا الهلالَ، ولا تُفطروا حتى تروه، فإن غَمَّ عليكم فاقدروا له " نفسه، 653، ومعنى (غم) : أي أخفي وغطي بسحاب أو قترة أو غير ذلك وكان هذا رحمةً بالأمة، إذ لم يكلفها اللهُ العمـل بالحســاب، وهي لا تعرفـه ولا تحسنه،، فلو كلفت ذلك لقلدت فيه أمة أخرى من أهل الكتاب أو غيرهم ممن لا يدينون بدينها .

ثلاث طرق لإثبات دخول رمـضان :
وقد أثبتت الأحاديث الصحاح أن

شهر رمضان يثبت دخولهُ بواحدة من ثلاث طرق:
1- رؤية الهلال.
2- أو إكمال عدة شعبان ثلاثين.
3- أو التقدير للهلال.

فأما الرؤيةُ:
فقد اختلف فيها الفقهاء : أهي رؤية واحد عدل، أم رؤية عدلين اثنين، أم رؤية جم غفير من الناس ؟
فمَنْ قال : يقبل شهادة عدل واحد، استدلَّ بحديث ابن عمر، قال : تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبي أني رأيته، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بصيامه (رواه أبو داود (2342)، والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم، قال الدارقطني : تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة، ذكره النووي في المجموع 276/6) . . وبحديث الأعرابي الذي شهدَ عند النبي أنه رأى الهلال، فأمر بلالاً فنادى في الناس " أن يقوموا ويصوموا " (رواه أبو داود (2341)، والترمذي مرسلا ومسندا، وقال : فيه اختلاف (691)، والنسائي، وقال : المرسل أولى بالصواب، وابن ماجة 1652)، وفي سنده مقال . كما قالوا : إن الإثبات بعدل واحد أحوط للدخول في العبادة، وصيام يوم من شعبان أخف من إفطار يوم من رمضان.

ومَنْ اشترط في الرؤية عدلين، استدل بما روى الحسين بن حريث الجدلي قال : خطبنا أمير مكة الحارث بن حاطب، فقال : أمرَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن ننسكَ لرؤيته، فإن لم نَرهُ فشَهدَ شاهدان عدلانِ نَسَكْنا بشهادتيهما (رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري، ورجاله رجال الصحيح، إلا الحسين بن حريق وهو صدوق وصححه الدارقطني في نيل الأوطار 261/4 ط دار الجيل بيروت). وقياسًا على سائر الشهود، فإنها تثبت بشهادة عدلين ..

أمّا من اشترط الجم الغفير أو الجمع الكثير فهم الحنفية، وذلك في حالة الصحو، فقد أجـازوا في حالة الغيم أن يشهد برؤيته واحد، إذ قد ينشقُّ عنه الغيم لحظـة فيراه واحـد، ولا يراه غيره من الناس . ولكن إذا كانت السماءُ مصحة، ولا قَتَر ولا سحابَ ولا علةَ، ولا حائل يحول دون الرؤية، فما الذي يجعل واحدًا من الناس يراه دون الآخرين ؟ لهذا قالوا: لابد من إخبار جمع عظيم؛ لأن التفرد من بين الجم الغفير بالرؤية ـ مع توجههم طالبين لما توجه هو إليه، مع فرض عدم المانع، وسلامة الأبصار ـ وإن تفاوتت في الحدة ظاهر في غلطه (ذكره في حاشية ابن عابدين نقلا عن البحر 92/2).

وأما خبر ابن عمر والأعرابي ـ وفيهما إثبات الهلال برؤية واحد ـ فقد قال العلامة رشيد رضا في تعليقه على " المغني" : (ليس في الخـبرين أن الناس تراءوا الهلالَ، فلم يره إلا واحد، فهما في غير محل النزاع، ولاسيما مع أبي حنيفة، وبهذا يبطل كل ما بني عليهما). (انظر التعليق على المغني مع الشرح 93/3).

وأمَّا عدد الجمع العظيم فهو مفوض إلى رأي الإمام أو القاضي من غير تقدير بعدد معين على الصحيح
(انظر الاختيار في شرح المختار 29/1) . ومن الواجب على المسلمين التماس الهلال يوم التاسع والعشرين من شعبان عند الغروب ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، إلاَّ أنه واجب على الكفاية .

والطريقة الثانية:
إكمال عدة شعبان ثلاثين، سواء كان الجو صحوًا أم غائمًا، فإذا تراءوا الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ولم يره أحد، استكملوا شعبان ثلاثين .

وهنا يلزم أن يكون ثبوت شعبان معروفا منذ بدايته، حتى تعرف ليلة الثلاثين التي يتحرى فيها الهلال، ويستكمل الشهر عند عدم الرؤية . وهذا أمرٌ يقع فيه التقصير؛ لأن الاهتمام بإثبات دخول الشهور لا يحدث إلا في أشهر ثلاثة فقط : رمضان لإثبات الدخول في الصيام، وشوال لإثبات الخروج منه، وذي الحجة لإثبات يوم عرفة وما بعده
.
وينبغي على الأمةِ، وعلى أولي الأمر فيها التدقيق في إثبات الشهور كلها ؛ لأن بعضها مبني على بعض .

والطريقة الثالثة:
هي التقدير للهلال عند الغيم، أو كما قال الحديث : " إذا غمَّ عليكم " أو " غمي عليكم " أو "غبي عليكم" أي حال دونه حائل، ففي بعض الروايات الصحيحة، ومنها مالك عن نافع عن ابن عمر، وهي السلسلة الذهبية، وأصَحّ الأسانيد عند البخاري : " إذا غم عليكم فاقدروا له "، فما معنى " اقدروا له"؟

النووي في المجموع : (قالَ أحمد بن حنبل وطائفةٌ قليلة : معناه : ضيِّقوا له، وقدروه تحت السحاب، من " قدر " بمعنى ضيق كقوله : (قُدِرَ عليه رِزْقهُ) وأوجب هؤلاء صيام ليلة الغيم .

وقال مطرِّف بن عبد الله ـ من كبار التابعين ـ وأبو العباس بن سريج ـ من كبار الشافعية ـ وابن قتيبة وآخرون : معناه : قدروه بحسب المنازل .

وقال أبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف : معناه : قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا .
واحتج الجمهور بالروايات التي ذكرناها، وكلها صحيحة صريحة : " فأكملوا العدة ثلاثين "، " فاقدروا له ثلاثين "، وهي مفسرة لرواية : " فاقدروا له " المطلقة). (المجموع 270/6).

ولكن الإمام أبا العباس بن سريج لم يحمل إحدى الروايتين على الأخروي، بل نقل عنه ابن العربي أن قوله : " فاقدروا له " : خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله : "أكملوا العدة " خطاب للعامة. (انظر : فتح الباري 23/6، ط .الحلبي).

واختلاف الخطاب باختلاف الأحوال أمر وارد، وهو أساس لتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال قال الإمام النووي في المجموع : (ومن قال بحساب المنازل، فقوله مردود، بقوله ص في الصحيحين : " إنَّا أمةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نكتب ولا نحسب " .. الحديث .
قالوا : ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم ؛ لأنه لا يعرف الحساب إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار). (المجموع 270/6، ط .المنيرة).

والحديث الذي احتج به الإمام النووي ـ رحمه الله ـ لا حجة فيه ؛ لأنه يتحدث عن حال الأمة، ووصفها عند بعثته لها عليه الصلاة والسلام، ولكن أميتها ليست أمرًا لازمًا ولا مطلوبًا، وقد اجتهد عليه الصلاة والسلام أن يخرجها من أميتها بتعليم الكتابة، وبدأ بذلك منذ غزوة بدر، فلا مانع أن يأتي طور على الأمة تكون فيه كاتبة حاسبة . والحساب الفلكي العلمي الذي عرفه المسلمون في عصور ازدهار حضارتهم، وبلغ في عصرنا درجة من الرقي تمكن بها البشر من الصعود إلى القمر، هو شيء غير التنجيم أو علم النجوم المذموم في الشرع .

وأمَّا الاعتبار الآخر الذي ذكره النووي، وهو أن الحساب لا يعرفه إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار، فقد يكون صحيحًا بالنسبة إلى زمنه - رحمه الله - ولكنه ليس صحيحًا بالنسبة إلى زمننا، الذي أصبح الفلك يدرس فيه في جامعات شتى، وغدت تخدمه أجهزة ومراصد على مستوى رفيع وهائل من الدقة . وقد أصبح من المقرر المعروف عالميًا اليوم : أن احتمال الخــطأ في التقـديرات العلمـية الفلكـية اليوم هو نســبة 1 - 00000 1 في الثانية!!.

كما أن البلدان الكبار والصغار الآن أصبحت متقاربة، وكأنما هي بلد واحد، بل غدا العالم، كما قيل " قرية كبرى" ! ونقل الخبر من قطر إلى آخر، ومن مشرق إلى مغرب، وبالعكس لا يستغرق ثواني معدودة .

وقد ذهب أبو العباس بن سريج من أئمة الشافعية، إلى أن الرجل الذي يعرف الحساب، ومنازل القمر، إذا عرف بالحساب أن غدا من رمضان فإن الصوم يلزمه ؛ لأنه عرف الشهر بدليل، فأشْبَهَ ما إذا عرف بالبينة . واختاره القاضي أبو الطيب ؛ لأنه سبب حصل له به غلبة ظن، فأشبه ما لَوْ أخـبره ثقة عن مشاهدة . وقال غيره : يجـزئهُ الصـوم ولا يلزمه . وبعضهم أجاز تقليده لمن يثق به. (انظر : المجموع 279/6، 280).

وقد ذهب بعض كبار العلماء في عصرنا إلى إثبات الهلال بالحساب الفلكي العلمي القطعي، وكتب في ذلك المحدث الكبير العلامة أحمد محمد شاكر - رحمه الله - رسالته، في " أوائل الشهور العربية : هل يجوز إثباتها شرعًا بالحساب الفلكي ؟ " وسنعود لنقل رأيه مفصلا .

ومـن المنـادين بهـذا الرأي في عصــرنا الفقــيه الكـبير الشــيخ مصطـفى الزرقـــا - حفظه الله -.

والذي يظهر من الأخبار أن الذي رفضه الفقهاء من علم الهيئة أو الفلك، هو ما كان يسمى " التنجيم " أو " علم النجوم " وهو ما يُدَّعَى فيه معرفة بعض الغيوب المستقبلية عن طريق النجوم، وهذا باطل، وهو الذي جاء فيه الحديث الذي رواه أبو داود وغيره عن ابن عباس مرفوعًا : " مَنْ اقتبس علمًا من النجوم اقتبس شعبة من السحر ". (رواه أبو داود في الطب (3905) وابن ماجة في الأدب (3726)، وأحمد في المسند (2000) وقال شاكر : إسناده صحيح، وصححه النووي في الرياض، والذهبي في الكبائر كما في فيض القدير 80/6).

وقال الإمام ابن دقيق العيد: الذي أقول : إن الحساب لا يجوز أن يُعتمد عليه في الصوم لمقارنة القمر للشمس على ما يراه المنجمون، فإنهم قد يقدمون الشهر بالحساب على الرؤية بيوم أو يومين، وفي اعتبار ذلك إحداث شرع لم يأذنْ به الله . وأما إذا دلَّ الحساب على أن الهلال قد طلع على وجهٍ يُرَي، لكن وُجِدَ مانع من رؤيته كالغيم، فهذا يقتضي الوجوب لوجود السبب الشرعي . ا هـ .

وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله : (لكن يتوقف قبول ذلك على صدق المخبر به، ولا نجزم بصدقه إلا لو شاهد، والحال أنه لم يشاهد، فلا اعتبار بقوله إذن، والله أعلم). (تلخيص الحبير مع المجموع 6/ 266، 267).

ولكن علم الفلك الحديث يقوم على المشاهدة بوساطة الأجهزة وعلى الحساب الرياضي القطعي . ومن الخطأ الشائع لدى كثير من علماء الدين في هذا العصر، اعتقاد أن الحساب الفلكي هو حساب أصحاب التقاويم، أو النتائج، التي تطبعُ وتوزع على الناس، وفيها مواقيت الصلاة، وبدايات الشهور القمرية ونهايتها، وينسب هذا التقويم إلى زيد، وذاك إلى عمرو من الناس، الذين يعتمد معظمهم على كتب قديمة ينقلون منها تلك المواقيت، ويصفونها في تقويماتهم .
ومن المعروف أن هذه التقاويم تختلف بين بعضها وبعض، فمنها ما يجعـل شـعبان (29) يومًا، ومنها ما يجعله (30)، وكذلك رمضان، وذو القعدة وغيرها .

ومن أجل هذا الاختلاف رفضوها كلها ؛ لأنها لا تقوم على علم يقيني ؛ لأن اليقين لا يعارض بعضه بعضًا . وهذا صحيح بلا ريب، ولكن ليس هذا هو الحساب العلمي الفلكي الذي نعنيه .

إن الذي نعنيه هو ما يقرره علم الفلك الحديث، القائم على المشــاهدة والتجربة، والذي غدا يملك من الإمكانات العلمية والعملية " التكنولوجية " ما جعله يصل بالإنسان إلى سطح القمر، ويبعث بمراكز فضائية إلى الكواكب الأكثر بعدًا، وغدت نسبة احتمال الخطأ في تقديراته (1 - 100000 )" واحدًا إلى مائة ألف " في الثانية . وأصبح من أسهل الأمور عليه أن يخبرنا عن ميلاد الهلال فلكيًا، وعن إمكان ظهوره في كل أفق بالدقيقة والثانية، لو أردنا .

رؤية الهلال لإثبات الشهر وسيلة متغيرة لهدف ثابت:
وفي كتابي : " كيف نتعامل مع السنة " عدت إلى الموضوع عند الحديث عن أحد المعالم الأساسية في فهم السنة، وهو : التمييز بين الهدف الثابت والوسيلة المتغيرة . وضربت لذلك أمثلة :

ثم قلت : ومما يمكن أن يدخل في هذا الباب : ما جاء في الحديث الصحيح المشهور : " صوموا لرؤيته- أي الهلال- وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له " وفي لفظ آخر " فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " .
فهنا يمكن للفقيه أن يقول : إن الحديث الشريف أشار إلى هدف، وعيّن وسيلة .

أما الهدف من الحديث فهو واضح بين، وهو أن يصوموا رمضان كله، ولا يضيعوا يومًا منه، أو يصوموا يومًا من شهر غيره، كشعبان أو شوال، وذلك بإثبات دخول الشهر أو الخروج منه، بوسيلة ممكنة مقدورة لجمهور الناس، لا تكلفهم عنتًا ولا حرجًا في دينهم.

وكانت الرؤية بالأبصار هي الوسيلة السهلة والمقدورة لعامة الناس في ذلك العصر، فلهذا جاء الحديث بتعيينها ؛ لأنه لو كلفهم بوسيلة أخرى كالحساب الفلكي - والأمة في ذلك الحين أمية ولا تحسب - لأرهقهم من أمرهم عسرا، واللَّه يريد بأمته اليسر ولا يريد بهم العسر، وقد قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه : " إن اللّه بعثني معلمًا ميسرًا، ولم يبعثني معنتًا ". (رواه مسلم وغيره).
فإذا وجدت وسيلة أخرى أقدر على تحقيق هدف الحديث، وأبعد عن احتمال الخطأ والوهم والكذب في دخول الشهر، وأصبحت هذه الوسيلة ميسورة غير معسورة، ولم تعد وسيلة صعبة المنال، ولا فوق طاقة الأمة، بعد أن أصبح فيها علماء وخبراء فلكيون وجيولوجيون وفيزيائيون متخصصون على المستوى العالمي، وبعد أن بلغ العلم البشري مبلغًا مكن الإنسان أن يصعد إلى القمر نفسه، وينزل على سطحه، ويجوس خلال أرضه، ويجلب نماذج من صخوره وأتربته ! فلماذا نجمد على الوسيلة - وهي ليست مقصودة لذاتها - ونغفل الهدف الذي نشده الحديث ؟ !

لقد أثبت الحديث دخول الشهر بخبر واحد أو اثنين يدعيان رؤية الهلال بالعين المجردة، حيث كانت هي الوسيلة الممكنة والملائمة لمستوى الأمة، فكيف يتصور أن يرفض وسيلة لا يتطرق إليها الخطأ أو الوهم، أو الكذب، وسيلة بلغت درجة اليقين والقطع، ويمكن أن تجتمع عليها أمة الإسلام في شرق الأرض وغربها، وتزيل الخلاف الدائم والمتفاوت في الصوم والإفطار والأعياد، إلى مدى ثلاثة أيام تكون فرقا بين بلد وآخر (في رمضان هذا العام (1409هـ) ثبت دخول رمضان يوم الخميس الموافق السادس من أبريل 1989 م في المملكة العربية السعودية، والكويت، وقطر، والبحرين، وتونس وغيرها، كلها برؤية المملكة، وثبت دخوله في مصر والأردن والعراق والجزائر والمغرب وغيرها يوم الجمعة، أما باكستان والهند وعمان وإيران وغيرها فصاموا يوم السبت !!.)، وهو ما لا يعقل ولا يقبل لا بمنطق العلم، ولا بمنطق الدين، ومن المقطوع به أن أحدها هو الصواب والباقي خطأ بلا جدال .
إن الأخذ بالحساب القطعي اليوم وسيلة لإثبات الشهور، يجب أن يقبل من باب " قياس الأولي"، بمعني أن السنة التي شرعت لنا الأخذ بوسيلة أدني، لما يحيط بها من الشك والاحتمال - وهي الرؤية - لا ترفض وسيلة أعلى وأكمل وأوفي بتحقيق المقصود، والخروج بالأمة من الاختلاف الشديد في تحديد بداية صيامها وفطرها وأضحاها، إلى الوحدة المنشودة في شعائرها وعباداتها، المتصلة بأخص أمور دينها، وألصقها بحياتها وكيانها الروحي، وهي وسيلة الحساب القطعي .

على أن العلامة المحدث الكبير الشيخ أحمد شاكر - رحمه اللّه - نحا بهذه القضية منحى آخر، فقد ذهب إلى إثبات دخول الشهر القمري بالحساب الفلكي، بناءً على أن الحكم باعتبار الرؤية معلل بعلة نصت عليها السنة نفسها، وقد انتفت الآن، فينبغي أن ينتفي معلولها، إذ من المقرر أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

ويحسن بنا أن ننقل هنا عبارته بنصها لما فيها من قوة ونصاعة، قال رحمه اللّه في رسالته " أوائل الشهور العربية " :
(فمما لا شك فيه أن العرب قبل الإسلام وفي صدر الإسلام لم يكونوا يعرفون العلوم الفلكية معرفة علمية جازمة، كانوا أمة أميين، لا يكتبون ولا يحسبون، ومن شدا منهم شيئًا من ذلك فإنما يعرف مبادئ أو قشورا، عرفها بالملاحظة والتتبع، أو بالسماع والخبر، لم تبن على قواعد رياضية، ولا على براهين قطعية ترجع إلى مقدمات أولية يقينية، ولذلك جعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مرجع إثبات الشهر في عبادتهم إلى الأمر القطعي المشاهد الذي هو في مقدور كل واحد منهم، أو في مقدور أكثرهم . وهو رؤية الهلال بالعين المجردة، فإن هذا أحكم وأضبط لمواقيت شعائرهم وعباداتهم، وهو الذي يصل إليه اليقين والثقة مما في استطاعتهم، ولا يكلف اللّه نفسًا إلا وسعها .

لم يكن مما يوافق حكمة الشارع أن يجعل مناط الإثبات في الأهلة الحساب والفلك، وهم لا يعرفون شيئًا من ذلك في حواضرهم، وكثير منهم بادون لا تصل إليهم أنباء الحواضر، إلا في فترات متقاربة حينا، ومتباعدة أحيانا، فلو جعله لهم بالحساب والفلك لأعنتهم، ولم يعرفه منهم إلا الشاذ والنادر في البوادي عن سماع إن وصل إليهم، ولم يعرفه أهل الحواضر إلا تقليدًا لبعض أهل الحساب، وأكثرهم أو كلهم من أهل الكتاب .
ثم فتح المسلمون الدنيا، وملكوا زمام العلوم، وتوسعوا في كل أفنانها، وترجموا علوم الأوائل، ونبغوا فيها، وكشفوا كثيرًا من خباياها، وحفظوها لمن بعدهم، ومنها علوم الفلك والهيئة وحساب النجوم .

وكان أكثر الفقهاء والمحدثين لا يعرفون علوم الفلك، أو هم يعرفون بعض مبادئها، وكان بعضهم، أو كثير منهم لا يثق بمن يعرفها ولا يطمئن إليه، بل كان بعضهم يرمي المشتغل بها بالزيغ والابتداع، ظنا منه أن هذه العلوم يتوسل بها أهلها إلى ادعاء العلم بالغيب - التنجيم - وكان بعضهم يدعي ذلك فعلا، فأساء إلى نفسه وإلى علمه، والفقهاء معذورون، ومن كان من الفقهاء والعلماء يعرف هذه العلوم لم يكن بمستطيع أن يحدد موقفها الصحيح بالنسبة إلى الدين والفقه، بل كان يشير إليها على تخوف .
هكذا كان شأنهم، إذ كانت العلوم الكونية غير ذائعة ذيعان العلوم الدينية وما إليها، ولم تكن قواعدها قطعية الثبوت عند العلماء.

وهذه الشريعة الغراء السمحة، باقية على الدهر، إلى أن يأذن اللّه بانتهاء هذه الحياة الدنيا، فهي تشريع لكل أمة، ولكل عصر، ولذلك نرى في نصوص الكتاب والسنة إشارات دقيقة لما يستحدث من الشئون، فإذا جاء مصداقها فسرت وعلمت، وإن فسرها المتقدمون على غير حقيقتها .

وقد أشير في السنة الصحيحة إلى ما نحن بصدده، فروى البخاري من حديث ابن عمـر عـن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنـا أمـة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهـر هكـذا وهكذا ... " يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين (رواه البخاري في كتاب الصوم) . ورواه مالك في الموطأ (الموطأ 1/ 269) . والبخاري ومسلم وغيرهما بلفظ : " الشهر تسعة وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له " .

وقد أصاب علماؤنا المتقدمون رحمهم اللّه في تفسير معنى الحديث . وأخطأوا في تأويله، ومن أجمع قول لهم في ذلك قول الحافظ ابن حجر (فتح الباري 108/4، 109).: المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك إلا النزر اليسير . فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لرفع الحرج عنهم في معاناة التسيير، واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك . بل ظاهر السياق ينفي تعليق الحكم بالحساب الأصلي . ويوضحه قوله في الحديث الماضي : " فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين "، ولم يقل : فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء استوى فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم، وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك، وهم الروافض (لا ندري من ذا يريد الحافظ بالروافض ؟ إن كان يريد الشيعة الإمامية فالذي نعرفه من مذهبهم أنه لا يجوز الأخذ بالحساب عندهم، وإن كان يريد ناسًا آخرين فلا ندري من هم !! أحمد شاكر : أقول : أظن أن المراد بهم الإسماعيلية . فقد نقل أنهم يقولون بذلك "القرضاوي")، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي : وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة : وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم؛ لأنها حدس وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلا القليل

فهذا التفسير صواب، في أن العبرة بالرؤية لا بالحساب، والتأويل خطأ، في أنه لو حدث من يعرف استمر الحكم في الصوم- أي باعتبار الرؤية وحدها ـ لأن الأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللا بعلة منصوصة، وهي أن الأمة " أمية لا تكتب ولا تحسب "، والعلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فإذا خرجت الأمة عن أميتها، وصارت تكتب وتحسب، أعني صارت في مجموعها ممن يعرف هذه العلوم، وأمكن الناس - عامتهم وخاصتهم - أن يصلوا إلى اليقين والقطع في حساب أول الشهر، وأمكن أن يثقوا بهذا الحساب ثقتهم بالرؤية أو أقوي، إذا صار هذا شأنهم في جماعتهم وزالت علة الأمية : وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت، وأن يأخـذوا في إثبات الأهلـة بالحسـاب وحـده، وألا يرجعوا إلى الرؤية إلا حين استعصى عليهم العلم به، كما إذا كان ناس في بادية أو قرية، لا تصل إليهم الأخبار الصحيحة الثابتة عن أهل الحساب .
وإذا وجب الرجوع إلى الحساب وحده بزوال علة منعه، وجب أيضًا الرجوع إلى الحساب الحقيقي للأهلة، وإطراح إمكان الرؤية وعدم إمكانها، فيكون أول الشهر الحقيقي الليلة التي يغيب فيها الهلال بعد غروب الشمس، ولو بلحظة واحدة.

(المرجح أن يبقى بعد الغروب مده يمكن فيها ظهوره، بحيث يمكن رؤيته بالعين المجردة، وذلك نحو (15) أو (20) دقيقة على ما ذكر أهل الاختصاص، "القرضاوي").

وما كان قولي هذا بدعًا من الأقوال : أن يختلف الحكم باختلاف أحوال المكلفين فإن هذا في الشريعة كثير، يعرفه أهل العلم وغيرهم، ومن أمثلة ذلك في مسألتنا هذه : أن الحديث : " فإن غم عليكم فاقدروا له " ورد بألفاظ أخر، في بعضها : " فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " ففسر العلماء الرواية المجملة : " فاقدروا له " بالرواية المفسرة: " فأكملوا العدة " ولكن إمامًا عظيمًا من أئمة الشافعية، بل هو إمامهم في وقته، وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج ( "سريج" بالسين المهملة المضمومة وآخره جيم، ويكتب خطأ في كثير من الكتب المطبوعة " شريح " بالشين والحاء، وهو تصحيف . وأبو العباس هذا توفي سنة 306 هـ وهو من تلاميذ أبي داود صاحب السنن، وقال في شأنه أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء ص 89 : " كان من عظماء الشافعيين وأئمة المسلمين، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي، حتى على المزني " وله تراجم جيدة في تاريخ بغداد للخطيب 4 /278 - 290، وطبقات الشافعية لابن السبكي 2/ 67 - 96)، جمع بين الروايتين، بجعلهما في حالين مختلفين : أن قوله : " فاقدروا له " معناه : قدروه بحسب المنازل، وأنه خطاب لمن خصه اللّه بهذا العلم، وأن قوله : " فأكملوا العدة "خطاب للعامة (انظر : شرح القاضي أبي بكر بن العربي على الترمذي 3 /207، 208، وطرح التثريب 4/ 111 - 113 وفتح الباري 4/ 104).

فقولي هذا يكاد ينظر إلى قول ابن سريج، إلا أنه جعله خاصًا بما إذا غم الشهر فلم يره الراؤون، وجعل حكم الأخذ بالحساب للأقلين، على ما كان في وقته من قلة عدد العارفين، وعدم الثقة بقولهم وحسابهم، وبطء وصول الأخبار إلى البلاد الأخرى، إذا ثبت الشهر في بعضها، وأما قولي فإنه يقضي بعموم الأخذ بالحساب الدقيق الموثوق به، وعموم ذلك على الناس، بما يسر في هذه الأيام من سرعة وصول الأخبار وذيوعها . ويبقي الاعتماد على الرؤية للأقل النادر، ممن لا يصل إليه الأخبار، ولا يجد ما يثق به من معرفة الفلك ومنازل الشمس والقمر .

ولقد أرى قولي هذا أعدل الأقوال، وأقربها إلى الفقه السليم، وإلى الفهم الصحيح للأحاديث الواردة في هذا الباب). (رسالة " أوائل الشهور العربية " ص 7 - 17 نشر مكتبة ابن تيمية) هذا ما كتبه العلامة شاكر منذ أكثر من نصف قرن ـ ذي الحجة 1357 هـ الموافق يناير 1939 م .

ولم يكن علم الفلك في ذلك الوقت قد وصل إلى ما وصل إليه اليوم من وثبات استطاع بها الإنسان أن يغزو الفضاء، ويصعد إلى القمر، وانتهى هذا العلم إلى درجة من الدقة، غدا احتمال الخطأ فيها بنسبة واحدة إلى مائة ألف في الثانية !!

كتب هذا الشيخ شاكر وهو رجل حديث وأثر قبل كل شيء، عاش حياته -رحمه اللّه- لخدمة الحديث، ونصرة السنة النبوية، فهو رجل سلفي خالص، رجل اتباع لا رجل ابتداع، ولكنه -رحمه اللّه- لم يفهم السلفية على أنها جمود على ما قاله من قبلنا من السلف، بل السلفية الحق أن ننهج نهجهم، ونشرب روحهم، فنجتهد لزمننا كما اجتهدوا لزمنهم، ونعالج واقعنا بعقولنا لا بعقولهم، غير مقيدين إلا بقواطع الشريعة، ومحكمات نصوصها، وكليات مقاصدها .

هذا وقد قرأت مقالاً مطولاً في شهر رمضان لهذا العام (1409 هـ) لأحد المشايخ الفضلاء (هو سماحة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى بالمملكة العربية السعودية، وقد نشر مقاله في عكاظ وغيرها من الصحف اليومية بالمملكة في 21 رمضان 1409 هـ)، أشار فيه إلى أن الحـديث النبوي الصـحيح : " نحـن أمـة أمـية لا نكـتب ولا نحسب " يتضمن نفي الحساب، وإسقاط اعتباره لدى الأمة .

ولو صح هذا لكان الحديث يدل على نفي الكتابة، وإسقاط اعتبارها، فقد تضمن الحديث أمرين دلل بها على أمية الأمة، وهما :
الكتابة والحساب .
ولم يقل أحد في القديم ولا في الحديث : إن الكتابة أمر مذموم أو مرغوب عنه بالنسبة للأمة، بل الكتابة أمر مطلوب، دل عليه

القرآن والسنة والإجماع.
وأول من بدأ بنشر الكتابة هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما هو معلوم من سيرته، وموقفه من أسرى بدر.
ومما قيل في هذا الصدد : أن الرسول لم يشرع لنا العمل بالحساب، ولم يأمرنا باعتباره، وإنما أمرنا باعتبار " الرؤية " والأخذ بها في إثبات الشهر.

وهذا الكلام فيه شيء من الغلط أو المغالطة، لأمرين:
الأول : أنه لا يعقل أن يأمر الرسول بالاعتداد بالحساب، في وقت كانت فيه الأمة أمية، لا تكتب ولا تحسب، فشرع لها الوسيلة المناسبة لها زمانًا ومكانًا، وهي الرؤية، المقدورة لجمهور الناس في عصره، ولكن إذا وجدت وسيلة أدق وأضبط وأبعد عن الغلط والوهم، فليس في السنة ما يمنع اعتبارها.

الثاني : أن السنة أشارت بالفعل إلى اعتبار الحساب في حالة الغيم، وهو ما رواه البخاري في كتاب الصوم من جامعه الصحيح بسلسلته الذهبية المعروفة عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان، فقال : " لا تصـوموا حتى تروا الهـلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له " (قدر يقدر - بالضم والكسر - بمعنى قدّر، ومنه قوله تعالى: (فقدرنا فنعم القادرون).

وهذا " القَدْر " له أو "التقدير " المأمور به، يمكن أن يدخل فيه اعتبار الحساب لمن يحسنه، ويصل به إلى أمر تطمئن الأنفس إلى صحته، وهو ما أصبح في عصرنا في مرتبة القطعيات، كما هو مقرر معلوم لدى كل من عنده أدنى معرفة بعلوم العصر، وإلى أي مدى ارتقى فيها الإنسان الذي علمه ربه ما لم يكن يعلم .

وقد كنت ناديت منذ سنوات بأن نأخذ بالحساب الفلكي القطعي - على الأقل - في النفي لا في الإثبات، تقليلاً للاختلاف الشاسع الذي يحدث كل سنة في بدء الصيام وفي عيد الفطر، إلى حد يصل إلى ثلاثة أيام بين بعض البلاء الإسلامية وبعض . ومعنى الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية وفقا لرأى الأكثرين من أهل الفقه في عصرنا، ولكن إذا نفى الحساب إمكان الرؤية، وقال : إنها غير ممكنة، لأن الهلال لم يولد أصلاً في أي مكان من العالم الإسلامي - كان الواجب ألا تقبل شهادة الشهود بحال؛ لأن الواقع - الذي أثبته العلم الرياضي القطعي - يكذبهم . بل في هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلاً، ولا تفتح المحاكم الشرعية ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينية أبوابها لمن يريد أن يدلي بشهادة عن رؤية الهلال.

هذا ما اقتنعت به وتحدثت عنه في فتاوى ودروس ومحاضرات وبرامج عدة، ثم شاء اللّه أن أجده مشروحًا مفصلاً لأحد كبار الفقهاء الشافعية، وهو الإمام تقي الدين السبكي (ت 756هـ) الذي قالوا عنه : إنه بلغ مرتبة الاجتهاد.

فقد ذكر السبكي في فتاواه أن الحساب إذا نفى إمكان الرؤية البصرية، فالواجب على القاضي أن يرد شهادة الشهود، قال : (لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظني لا يعارض القطعي، فضلاً عن أن يقدم عليه).

وذكر أن من شأن القاضي أن ينظر في شهادة الشاهد عنده، في أي قضـية من القضــايا، فإن رأي الحـس أو العـيان يكذبها ردهـا ولا كـرامة . قال : (والبينـة شـرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسًا وعقلاً وشرعًا، فإذا فرض دلالة الحساب قطعًا على عدم الإمكان اسـتحال القول شرعًا، لاسـتحالة المشــهود به، والشرع لا يأتي بالمســتحيلات.
أما شهادة الشهود فتحمل على الوهم أو الغلط أو الكذب. (انظر : فتاوى السبكي).

ثبوت دخول الشهر بالنهار
إذا قامت البينة بإثبات دخول رمضان في أثناء النهار لزم المكلف الإمساك بقيته، لتعذر إمساك جميع اليوم، فوجب أن يأتي بما يقدر عليه لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن :16).

وهل يلزمه قضاء هذا اليوم؟ قولان للعلماء:
الأول: وهو رأي الجمهور: يقضي.
الثاني: لا يقضي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (المبدع في شرح المقنع -12/3). كما لو لم يعلم بالرؤية إلا بعد الغروب.
واستدل ابن حزم بما رواه مسلم في صحيحه عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة:.
"من كان أصبح صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه.
وعن سلمة بن الأكوع: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من أسلم يوم عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس: "من كان لم يصم فليصم، ومن كان أكل فليتم صيامه إلى الليل".
وروى البخاري عن سملة نحوه أيضا.
قال ابن حزم: (ويوم عاشوراء هو كان الفرض حينئذ صيامه.. فكان هذا حكم صوم الفرض.. وإنما نزل هذا الحكم فيمن لم يعلم بوجوب الصوم عليه - من ناس أو جاهل أو نائم - فحكمهم كلهم هو الحكم الذي جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، من استدراك النية في اليوم المذكور، متى علموا بوجوب صومه عليهم، وسمى عليه السلام من فعل ذلك صائمًا، وجعل فعله صومًا، وبالله تعالى التوفيق) (انظر المحلي -461/6-463- مطبعة الإمام، المسألة -729).

حقائق ينبغي أن يتفق عليها
وينبغي أن أؤكد هنا حقائق ثلاثًا، ينبغي ألا يختلف عليها:
الأولى: أن في هذا الأمر - أعني ما يتعلق بإثبات دخول الشهر - سعة ومرونة بالنظر إلى نصوص الشرع، وأحكامه، واختلاف العلماء في هذا المقام توسعة ورحمة للأمة.
فمن أثبت دخول الشهر بعدل أو عدلين، أو اشترط جما غفيرًا لم يبعد عما قال به بعض فقهاء الأمة المعتبرين.
بل من قال بالحساب وجد له في السلف قائلا، منذ عهد التابعين فمن بعدهم.
ومن اعتبر اختلاف المطالع، ومن لم يعتبرها له سلفه، وله دليله ووجهته.
فلا يجوز أن ينكر على من أخذ بأحد هذه المذاهب والاجتهادات، وإن رآها هو خطأ، إذ القاعدة: لا إنكار في المسائل الاجتهادية.

الثانية: أن الخطأ في مثل هذه الأمور مغتفر، فلو أخطأ الشاهد الذي شهد بأنه رأى هلال رمضان، أو شوال، وترتب عليه أن صام الناس يوما من شعبان أو أفطروا يوما من رمضان، فإن الله تعالى أهل لأن يغفر لهم خطأهم، وقد علمهم أن يدعوا فيقولوا: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) (البقرة :286).
حتى لو أخطأوا في هلال ذي الحجة، ووقفوا بعرفة يوم الثامن أو العاشر، في الواقع ونفس الأمر، فإن حجهم صحيح ومقبول، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

الثالثة: أن السعي إلى وحدة المسلمين في صيامهم وفطرهم، وسائر شعائرهم وشرائعهم، أمر مطلوب دائمًا، ولا ينبغي اليأس من الوصول إليه ولا من إزالة العوائق دونه، ولكن الذي يجب تأكيده وعدم التفريط فيه بحال، هو: أننا إذا لم نصل إلى الوحدة الكلية العامة بين أقطار المسلمين في أنحاء العالم، فعلى الأقل يجب أن نحرص على الوحدة الجزئية الخاصة بين أبناء الإسلام في القطر الواحد.

فلا يجوز أن نقبل بأن ينقسم أبناء البلد الواحد، أو المدينة الواحدة، فيصوم فريق اليوم على أنه من رمضان، ويفطر آخرون على أنه من شعبان، وفي آخر الشهر تصوم جماعة، وتعيّد أخرى فهذا وضع غير مقبول.
فمن المتفق عليه أن حكم الحاكم، أو قرار ولي الأمر يرفع الخلاف في الأمور المختلف فيها.

فإذا أصدرت السلطة الشرعية المسؤولة عن إثبات الهلال في بلد إسلامي - المحكمة العليا، أو دار الإفتاء، أو رئاسة الشؤون الدينية، أو غيرها - قرارها بالصوم أو بالإفطار، فعلى مسلمي ذلك البلد الطاعة والالتزام، لأنها طاعة في المعروف، وإن كان ذلك مخالفًا لما ثبت في بلد آخر، فإن حكم الحاكم هنا رجح الرأي الذي يقول: إن لكل بلد رؤيته.

وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون" (الترمذي، وقال: حسن غريب -697). وفي لفظ: "وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون" (أبو داود -2324 ؛ وابن ماجه -1660 بلفظ "الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون" رواه من طريق حماد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، قال الشيخ شاكر: وهذا إسناد صحيح جدًا على شرط الشيخين ا هـ).

وقد روى أبو داود هذا الحديث تحت عنوان: (باب إذا أخطأ القوم الهلال)، قال الإمام الخطابي: معنى الحديث: أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قوما اجتهدوا، فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين، فلم يفطروا حتى استوفوا العدد، ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين، فإن صومهم وفطرهم ماض، فلا شيء عليهم من وزر أو عنت، وكذلك هذا في الحج إذا أخطأوا يوم عرفة، فإنه ليس عليهم إعادته ويجزيهم أضحاهم كذلك، وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده.

ملحق بتوصيات ندوة الأهِلَّة والمواقيت
عُقدت ندوة الأهلَّة والمواقيت والتقنيات الفلكية في الكويت خلال الفترة بين 21 إلى 23 رجب 1409 هـ الموافق 2/27 - 1989/3/1م بتنظيم النادي العلمي الكويتي ومؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وشارك فيها عدد من فقهاء الشريعة وعلماء الفلك في الدول العربية التالية: الأردن - الإمارات - الجزائر - السعودية - السودان - عُمان - فلسطين - قطر - الكويت - مصر - المغرب - اليمن.؛ كما حضرها مندوبون عن مجمع الفقه الإسلامي بجدة، والمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والاتحاد العربي لنوادي العلوم،

وقد أصدرت الندوة التوصيات العلمية التالية:

(1) إذا ثبت رؤية الهلال في بلد وجب على المسلمين الالتزام بها ولا عبرة باختلاف المطالع لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار.
(2) يؤخذ بالحسابات المعتمدة في حالة النفي (أي القطع باستحالة رؤية الهلال) وتكون الحسابات الفلكية معتمدة إذا قامت على التحقيق الدقيق (لا التقريب) وكانت مبنية على قواعد فلكية مسلمة وصدرت عن جمع من الفلكيين الحاسبين الثقات بحيث يؤمن وقوع الخلل فيها.
فإذا شهد الشهود برؤية الهلال في الحالات التي يتعذر فلكيًا رؤيته فيها ترد الشهادة لمناقضتها للواقع ودخول الريبة فيها.

ومن هذه الحالات التي تستحيل فيها الرؤية:
(1) إذا شهد الشهود برؤية الهلال قبل الوقت المقدر له بالحساب الفلكي، وهو وجوده في الأفق بعد غروب الشمس، فلا عبرة بالشهادة على رؤية الهلال قبل حصول الاقتران أو إذا تزامنت الشهادة مع الاقتران، سواء أكان الاقتران مرئيًا كالكسوف، أم غير مرئي مما تحدده الحسابات الفلكية المعتمدة. وهذه الحالة نص عليها عدد من فقهاء المسلمين كابن تيمية والقرافي وابن القيم وابن رشد.

(2) إذا شهد الشهود برؤية الهلال بعد الغروب في اليوم الذي رؤي فيه القمر صباحًا قبل شروق الشمس. فلا عبرة بالشهادة على هذه الرؤية.

(3) رؤية الهلال هي الأصل في إثبات دخول الشهر، ويُستعان بالحساب الفلكي في إثبات الأَهِلَّة بالرؤية، وذلك بتحديد ظروف الرؤية في اليوم والساعة والجهة وهيئة الهلال، ولكن لا يكتفى بالحساب للإثبات بل لا بُدَّ من الشهادة المعتبرة على رؤيته. فإن دلَّ الحساب على إمكانية الرؤية وعدم الموانع الفلكية ولم يُرَ الهلال وجب إكمال عدة الشهر ثلاثين.

(4) في البلاد التي لا تتمايز فيها بعض الأوقات، كالعشاء والفجر، لعدم غيبوبة الشفق، أو عدم غروب الشمس، أو عدم طلوع الفجر يؤخذ لتحديد أوقات الصلوات التي اختفت علاماتها، بمبدأ (التقدير المطابق) بأن يجرى على تلك البلاد توقيت أقرب بلد تتمايز فيه تلك الأوقات، مع مراعاة كون البلد الأقرب على نفس خط الطول.
وهذا المبدأ مُستمد من مذهب المالكية وهو يُحقق اليسر ورفع الحرج.
وتقترح الندوة اهتمام الفلكيين بتحديد أوقات الصلوات لهذه المناطق طبقًا لمبدأ (التقدير النسبي) وهو مذهب الشافعية، وذلك بحساب النسبة بين الوقت وبين الليل وفي البلد الأقرب على خط الطول نفسه ومراعاة ذلك بالنسبة أيضًا في البلد الآخر.

(5) الاعتماد بصفة أساسية على التقويم الهجري وربط المعاملات والميزانيات والمرتبات به، لأنه المعمول عليه في العبادات والأحكام وكذلك في الحقوق الشرعية عند الإطلاق..
وفي هذا ربط لحاضر الأمة الإسلامية بماضيها المجيد

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:10 PM
على من يجب صيام رمضان
إذا كان صوم رمضان فرضًا عينيًا وركنًا دينيًا، فيلزمنا أن نحدد بالضبط على من يجب الصيام وجوبًا غير مخير.
والذي لا خلاف فيه: أنه يجب وجوبًا فوريًا على المسلم البالغ، العاقل المقيم، الصحيح، إذا لم تكن فيه الصفة المانعة من الصوم، وهي الحيض والنفاس للنساء.

قال تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (البقرة: 185).

لا صيام على غير المسلم
فلا يطالب غير المسلم في الدنيا بصوم رمضان، لأنه لا يطالب بالفرع من لم يؤمن بالأصل، إنما يدعى إلى الإسلام أولا، فإن شرح الله صدره له، طولب بأركانه وفرائضه بعد ذلك.

الصيام والبلوغ
ولا يطالب غير البالغ بالصيام، لأنه غير مكلف، وقد رفع القلم عنه، كما في الحديث: " رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم"(رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني عن على وعمر. وصححه غير واحد. وانظر: صحيح الجامع الصغير 3512 - 3514).

ورفع القلم: كناية عن سقوط التكليف، ومعنى (يحتلم): أي يبلغ الحلم وهذا بالنسبة للغلام الذي يعرف بلوغه بالاحتلام ونحوه من العلامات الطبيعية التي تدل على أنه تجاوز مرحلة الطفولة، ودخل في طور آخر.
وأما الفتاة، فيعرف بلوغها بالحيض، الذي يؤهلها لحياة الزوجية والأمومة.
وأما البلوغ بالسن، فهو خمسة عشر عامًا.
فمن تأخر عنده الاحتلام، أو تأخر عندها الحيض، فبلوغه يكون بالسن.

تدريب الناشئة على الصيام
ولكن هل يترك الصبي والصبية ولا يطالبان بالصوم إلا بعد بلوغ سن التكليف؟.
لا.. فإن تعاليم الشرع تأمر بتدريب هؤلاء الناشئة على أداء الفرائض ابتداء من استكمال السابعة من العمر.
وفي هذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شأن الصلاة: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر" (رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عمرو، وحسنه في صحيح الجامع -5868).

وفي حديث آخر: "علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر" (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة والطبراني والحاكم وغيرهم كما في الجامع الصغير -4025).
وذلك أن الخير عادة، والشر عادة، والمرء يشيب على ما شب عليه، والتربية في الصغر كالنقش على الحجر، والشاعر يقول:.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه.
والحديث هنا جعل للتعلم والتأديب مرحلتين:.
مرحلة الأمر والتعليم والترغيب، وذلك بعد السابعة.
ومرحلة الضرب والتأديب والترهيب، وذلك بعد العاشرة.
أي أن الضرب لم يشرع إلا بعد إعطاء الابن فرصة ثلاث سنوات يدعى ويرغب ويثاب. وبعدها يكون الحزم والشدة والعقاب المناسب طبعًا، إشعارًا بالجدية وأن الأمر موضع اهتمام الأب، وليس مجرد كلمة تقال، وليس بعدها حساب ولا ثواب ولا عقاب.

والضرب هنا وسيلة تمليها الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فلا يكون بسوط ولا بخشبه، يؤلم ولا يجرح، وخيار الآباء لا يحتاجون إلى ضرب أولادهم، بل يربون بالأسوة والكلمة والموعظة الحسنة، إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لم يضرب بيده شيئًا قط، لا امرأة، ولا خادمًا ولا ولدًا، ولا حتى دابة.

وإذا كان الحديث الوارد في شأن الصلاة، فهو ينطبق على الصيام أيضًا بفارق واحد، وهو مراعاة القدرة البدنية للصبي والصبية، فقد يبلغ السابعة أو العاشرة، ولكن جسمه ضعيف، لا يحتمل الصيام، فيمهل حتى يشتد عوده ويقوى.

وقد كان الصحابة يصومون صبيانهم وهم صغار، حتى كانوا يأتون لهم باللعب من العهن (أي الصوف) يلهونهم بها حتى يأتي وقت الإفطار.

وليس من المطلوب أن يصوم الشهر مرة واحدة، فليس هذا بمقدور، ولا منطقي، وإنما يصوم في أول سنة يومين أو ثلاثة مثلا، والتي بعدها يصوم أسبوعًا ثم أسبوعين، حتى يمكنه بعد ذلك صوم الشهر كله بهذا التدرج.
ومن الخطأ الذي يتحمل تبعته الآباء، والأمهات، إهمال الصغار حتى يبلغوا دون أن يدربوا على أداء الفرائض والطاعات. فإذا أمروا بها بعد البلوغ كانت أثقل من الجبال على كواهلهم. وما أصدق ما قال الشاعر:
وينفع الأدب الأولاد في صغر وليس ينفع عند الشيبة الأدب!
إن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولن تلين إذا قومتها الخشب

الصيام والعقل
وإذا كان غير البالغ ليس مُكلفًا بالصوم، فغير العاقل من باب أولى، لأن خطاب الشارع إنما هو موجه إلى العقلاء، وقد رفع القلم عن المجنون حتى يفيق. فمن كان من ذوي الجنون المطبق، فلا يتوجه إليه تكليف، لا بأمر ولا بنهى، ولا بعبادة، ولا بمعاملة، فقد رفع عنه القلم.

ومن كان جنونه متقطعًا، فهو مكلف في المدة التي يعود إليه فيها عقله فقط.
وألحق بعض الفقهاء به من يعتريه إغماء أو غيبوبة مرضية، يفقد فيها وعيه مدة تقصر أو تطول، فهو خلال غيبوبته غير مكلف بصلاة ولا صيام.

فإذا أفاق بعد أيام من إغمائه وغيبوبته، فليس عليه أن يقضي تلك الأيام الماضية، لأنه كان فيها غير أهل للتكليف.
وبعضهم رأى أن عليه قضاء ما فاته أثناء الإغماء، أو الغيبوبة، معللاً ذلك بأن الإغماء مرض، وهو مغط للعقل غير رافع للتكليف، ولا تطول مدته، ولا تثبت الولاية على صاحبه، ويدخل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (انظر: المبدع من شرح المقنع من كتب الحنابلة -3 / 18 والمجموع شرح المهذب من كتب الشافعية -254/6).

ورأيي أن هذا مسلَّم في الإغماء القصير الذي يستغرق يوما أو يومين، أو نحو ذلك، أما الغيبوبة الطويلة التي عرفها الناس في عصرنا، والتي قد تمتد إلى شهر أو أشهر أو سنين ! وخصوصًا مع أجهزة الإنعاش الصناعي، فهذه أشبه بحالة الجنون، الرافع للتكليف في حالة وجوده، وتكليف مغيَّب الوعي هنا بالقضاء فيه حرج عليه، وما جعل الله في الدين من حرج.

وقد تعرض لذلك العلامة ابن رشد في (بداية المجتهد) فقال: (وفقهاء الأمصار على وجوبه - أي: القضاء - على المُغمَى عليه. واختلفوا في المجنون، ومذهب مالك: وجوب القضاء عليه، وفيه ضعف لقوله عليه الصلاة والسلام: "وعن المجنون حتى يفيق".

والذين أوجبوا عليهما القضاء اختلفوا في كون الإغماء والجنون مفسدًا للصوم، فقوم قالوا: إنه مفسد، وقوم قالوا: ليس بمفسد، وقوم فرقوا بين أن يكون أغمى عليه بعد الفجر، أو قبل الفجر. وقوم قالوا: إن أُغمي عليه بعد مضي أكثر النهار أجزأه، وإن أغمي عليه في أول النهار قضى، وهو مذهب مالك، وهذا كله فيه ضعف، فإن الإغماء والجنون صفة يرتفع بها التكليف وبخاصة الجنون، وإذا ارتفع التكليف لم يوصف بمفطر ولا صائم، فكيف يقال في الصفة التي ترفع التكليف: إنها مبطلة للصوم؟ إلا كما يقال في الميت أو فيمن لا يصح منه العمل، إنه قد بطل صومه وعمله) (بداية المجتهد مع تخريجها الهداية 176/5،177

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:11 PM
أصحاب الأعذار
الأعذار في الصوم أنواع، ولكل منها حكمه
فهناك عذر يوجب الفطر، ويحرم معه الصوم، ولو صام صاحبه لا يصح صومه، ويجب عليه القضاء ولابد، وهذا ثابت بالإجماع.

وذلك هو العذر المتعلق بالمرأة، وهو الحيض والنفاس.

وهناك عذر يجيز لصاحبه الفطر، وقد يجب في بعض الأحوال، ويجب عليه القضاء وذلك هو عذر المرض والسفر، المنصوص عليهما في كتاب الله.

وهناك عذر يجيز لصاحبه الفطر، وقد يوجبه، ولا قضاء عليه، وعليه الإطعام عند الجمهور، وذلك هو عذر الشيخ الكبير، والمرأة العجوز، ومن في حكمهما من كل ذي مرض لا يرجى برؤه.

وهناك عذر اختلف الفقهاء في تكييفه، أيلحق بالمريض، أو بالشيخ الكبير، أم أن له حكمه الخاص؟ وذلك هو عذر الحامل والمرضع.

وهناك عذر من يشق عليه الصوم لطبيعة عمله، كعمال المناجم ونحوهم. أما الحائض والنفساء فقد تكلمنا عليهما في (باب من يجب عليه الصوم).

وأما الآخرون فنفرد حديثًا لكل منهم.

بسنا خرابيط
08-11-2011, 05:12 PM
المسافر والصيام
(كان من المفروض أن أبدأ بالمريض، كما بدأ به القرآن، ولكن أخرته، ليتصل بالشيخ الكبير والمريض الميئوس منه، فهما نوع من المرضى).

السفر والتنقل جزء من حياة الإنسان، قلما يستغنى عنه الناس في بدو أو حضر. وللإنسان من وراء السفر حاجات وأغراض دينية ودنيوية، فردية، واجتماعية. فهو يسافر لطلب العلم، ولطلب الرزق، ولطلب الأمن، ولطلب الشفاء، ولطلب الثواب بالحج أو العمرة، أو الجهاد، كما يسافر لأغراض علمية واجتماعية مثل زيارة الأقارب والأصدقاء، أو التعرف على معالم البلدان الأخرى، والمشاركة في ندوات أو مؤتمرات، وقد يكون السفر لمجرد ترويح النفس بعد عناء العمل الطويل، وكل هذا مشروع، ولا حرج فيه.

لهذا عني الإسلام بالسفر وجعل له أحكامًا، تقوم على التيسير والتخفيف عن المسافر وتضع له رخصًا وأحكاما شتى، في الطهارة والصلاة والصيام والزكاة (فإن مصرف" ابن السبيل" للمسافر المنقطع عن وطنه وماله، وإن كان غنيًا في بلده.

شرعية الفطر للمسافر
ومن الرخص التي شرعها الإسلام للمسافر: رخصة الفطر في الصيام، وهي ثابتة بالقرآن والسنة والإجماع.
ففي القرآن: قال الله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).

وقد أعاد الله تعالى في هذه الآية ما ذكره في الآية السابقة، التي كانت تمثل مرحلة في التشريع ثم نسخت: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين). وذلك ليؤكد بقاء هذا الحكم، وأنه لم ينسخ كما نسخ حكم التخيير بين الصوم والفطر مع الفدية.

أكد القرآن أن المريض والمسافر يفطران ويقضيان عدة من أيام أخر، بعدد الأيام التي أفطراها.
وجاءت السنة فأكدت هذا الحكم قولاً وعملاً وتقريرًا.

ففي الصحيحين: عن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أأصوم في السفر؟ -وكان كثير الصيام- فقال: " إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -684).

وفي رواية لمسلم: أنه قال: يا رسول الله، أجد مني قوة على الصوم في السفر فهل علي جناح؟ فقال: " هي رخصة من الله تعالى، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" (الحديث -1121 عن صحيح مسلم- كتاب الصوم). وهو قوي الدلالة على فضيلة الفطر

وعن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، أفطر، فأفطر الناس (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان-680).

وعن أبي الدرداء: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، في يوم حار، حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم، إلا ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم، وابن رواحة (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -685).

وعن أنس بن مالك: كنا نسافر مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر. ولا المفطر على الصائم (متفق عليه، المصدر السابق-682). إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة، وسيأتي بعضها في مناسبته.

وأجمعت الأمة بكل مذاهبها على شرعية الفطر للمسافر.
حتى ذكر الإمام ابن تيمية: أن من أنكر الفطر للمسافر يستتاب، وإلا حكم عليه بالردة.
وقد ذهب بعض الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر، وأن من صام لا يجزئه الصيام، وعليه القضاء، وهو مذهب الظاهرية، واستدلوا بظاهر قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) فدل على أن قضاء أيام أخر واجب عليه لا محالة، والجمهور تأولوه بأن المراد: فأفطر فعليه عدة من أيام أخر. والسنة القولية والعملية والتقريرية تدل عليه، وفيما ذكرناه من الأحاديث ما يكفي (واستدلوا أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم في شأن بعض الصحابة الذين صاموا في السفر: " أولئك العصاة ". وأجاب الجمهور بأنه إنما نسبهم إلى العصيان لأنه عزم عليهم وشدد فخالفوا.

واستدلوا كذلك بحديث: " ليس من البر الصوم في السفر".
وأجاب الجمهور بأنه قال ذلك في حق من شق عليه الصوم، حتى كانوا يظللون عليه وإذا قيل: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فقد قال الإمام ابن دقيق العيد: ينبغي أن يتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب، فإن بين المقامين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مجرى واحدًا لم يصب، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص به، كنزول آية السرقة في قصة رداء صفوان -نيل الأوطار 4 / 305 - 307. وانظر: الإحكام شرح عمدة الأحكام).

السفر بالوسائل لا يسقط الرخص الشرعية
والسفر بالقطارات والسفن البخارية، والطائرات ونحوها من الوسائل المريحة في عصرنا لا يسقط الرخصة التي جاء بها الشرع، فهي صدقة تصدق الله بها علينا فلا يليق بنا أن نرفضها.

وقد تفلسف بعض الناس، البعيدين عن الفقه، وزعموا أن السفر الآن، غير السفر في الماضي، فلم يعد سيرًا على الأقدام، ولا ركوبًا للجمال، ولا قطعًا للفيافي، فلا مبرر للرخص المرتبة على هذا النوع من السفر.
ونسي هؤلاء أن الأحكام الثابتة - وخصوصًا في أمور العبادات- لا تبطل بالرأي المجرد.

وقد ربطت نصوص الشرع رخصة الإفطار- كغيرها- بأمر ظاهر منضبط، وهو السفر ولم تربطه بالمشقة، لأنها غير ظاهرة ولا منضبطة.

على أن السفر-أيا كانت وسيلته- لا يخلو من نوع مشقة، والإنسان إذا لم يكن في داره ومحل إقامته واستقراره، لا يخلو من قلق ومعاناة.
وللسفر في عصرنا متاعب أخرى- عصبية ونفسية- يعرفها الذين يعانون الأسفار، فليست المشقة البدنية هي كل شيء.

وفي فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
(يجوز الفطر للمسافر باتفاق الأمة، سواء كان قادرًا على الصيام، أو عاجزًا، وسواء شق عليه الصيام أو لم يشق، بحيث لو كان مسافرًا، في الظل والماء ومعه من يخدمه، جاز له الفطر والقصر) (مجموع فتاوى ابن تيميه (25 /210).

مسافة السفر ومتى يفطر المسافر؟
اختلف الفقهاء في مقدار السفر الذي يوجب الرخص للمسلم المسافر، ومنها: الفطر في الصيام، ومتى يفطر: من مجاوزة عمران البلد، أم من منزل المسافر نفسه؟ وهل يفطر وإن كان قد نوى الصيام وسافر بعد الفجر؟.

والمشهور في فقه المذاهب الآن أن مسافة السفر نحو (80، أو 90) كيلو مترًا. وأنه لا يفطر حتى يجاوز مساكن البلدة.
ولكن ابن القيم يقول في (زاد المعاد): (ولم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد، ولا صح عنه في ذلك شيء، وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبي في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدى محمد صلى الله عليه وسلم (أخرجه أبو داود -2413، وفي سنده منصور بن سعيد الكلبي راويه عن دحية وهو مجهول).

وكان الصحابة حين ينشئون السفر، يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أن ذلك سنته وهديه صلى الله عليه وسلم، كما قال عبيد بن جبر: ركبت مع أبي بصرة الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفينة من الفسطاط في رمضان، فلم يجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة. قال: اقترب. قلت: ألست ترى البيوت ؟ قال أبو بصرة :أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟رواه أبو داود وأحمد (أخرجه أبو داود -2412 في الصوم: باب متى يفطر المسافر إذا خرج، وأحمد -6 / 398، والبيهقي -346/4، وفي سنده كليب بن ذهل الحضرمي وهو مجهول، وباقي رجاله ثقات، ويشهد له حديث أنس الآتي فيتقوى به).

ولفظ أحمد: ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية في سفينة، فلما دنونا من مرساها، أمر بسفرته، فقربت ثم دعاني إلى الغذاء، وذلك في رمضان، فقلت: يا أبا بصرة، والله ما تغيبت عنا منازلنا بعد؟ قال: أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقلت: لا قال: فكل. قال: فلم نزل مفطرين حتى بلغنا.

وقال محمد بن كعب: أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، وقد رحلت له راحلته وقد لبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة، ثم ركب (أخرجه الترمذي-799 و 800 في الصوم: باب من أكل ثم خرج يريد سفرًا، والدارقطني -2 / 187، 188 والبيهقي -246/4، وإسناده قوي، وحسنه الترمذي وغير واحد، ويشه له حديث أبي بصرة المتقدم وحديث دحية بن خليفة عند أبي داود وأحمد وقد تقدم أيضًا، وهو حسن في الشواهد). قال الترمذي: حديث حسن) (زاد المعاد، ط. مؤسسة الرسالة -2 / 55، 56).ا هـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيميه في (الفتاوي):
(وأما مقدار السفر الذي يقصر فيه، ويفطر، فمذهب مالك والشافعي وأحمد: أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخًا، كما بين مكة وعسفان ومكة وجدة، وقال أبو حنيفة: مسيرة ثلاثة أيام. وقال طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين، وهذا قول قوي، فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعرفة، ومزدلفة، ومنى، يقصر الصلاة، وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته، لم يأمر أحدًا منهم بإتمام الصلاة.
وإذا سافر في أثناء يوم، فهل يجوز له الفطر؟ على قولين مشهورين للعلماء، هما روايتان عن أحمد.

أظهرهما: أنه يجوز ذلك، كما ثبت في السنن أن من الصحابة من كان يفطر إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم . وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء فأفطر، والناس ينظرون إليه.

وأما اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور الأئمة والأمة.
وأما إذا قدم المسافر في أثناء يوم، ففي وجوب الإمساك عليه نزاع مشهور بين العلماء، لكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك.

ويفطر من عادته السفر إذا كان له بلد يأوي إليه، كالتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام، وغيره من السلع، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب، وغيرهم، وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين، ونحوهم.. وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه.
فأما من كان معه في السفينة امرأته، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا فهذا لا يقصر ولا يفطر... (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية -25 / 211 - 213).ا.هـ.

أيهما أفضل للمسافر: الصوم أم الفطر؟
وقد اختلف الجمهور: أي الأمرين أفضل للمسافر: الصوم أم الفطر؟.
فمنهم من قال: الصوم أفضل، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهذا لمن قوي عليه ولم يشق عليه.
وحجتهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصوم في السفر، ولا يأخذ لنفسه إلا بما هو الأفضل، ولأن المرء قد يتغافل عن قضائه، فيدركه الأجل ولم تبرأ ذمته، وأخطأ من استدل بقوله تعالى: (وأن تصوموا خير لكم) لأنه وضع للدليل في غير موضعه.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: الفطر أفضل، عملاً بالرخصة، والله يحب أن تؤتى رخصه، ولقوله في بعض الروايات: " عليكم برخصة الله التي رخص لكم" وفي قصة حمزة الأسلمي: "من أفطر فهو حسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" وبين التعبيرين فرق.

وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة: أفضلهما أيسرهما عليه.
وهو قول وجيه، واختاره ابن المنذر.
وقال بعض العلماء: هو مخير بين الصوم والفطر، وهما في حقه سواء.
ولعل ما يؤيد ذلك ما رواه أبو داود والحاكم، عن حمزة الأسلمي، أنه قال: يا رسول الله، إني صاحب ظهر، أعالجه، أسافر عليه، وأكريه، وربما صادفني هذا - يعني رمضان - وأنا أجد القوة، وأجدني أن أصوم أهون على من أن أؤخره، فيكون دينا فقال: أي ذلك شئت.

تمحيص وترجيح
والذي أرجحه هو ما قاله الخليفة الرائد عمر بن عبد العزيز: لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
فمن كان يسهل عليه الصيام. والناس صائمون، ويشق عليه أن يقضي بعد ذلك، حيث يصوم والناس مفطرون، فالصوم في حقه أفضل، ومن شق عليه الصيام الآن كالمسافر في البر، ونحو ذلك، وسهل عليه القضاء، فالفطر له أفضل.
ولكن أرى أن هناك اعتبارات ترجح أفضلية الصوم، وأخرى ترجح أفضلية الفطر، ولا بأس أن نوضحها لما للسفر من أهمية في عصرنا.

متى يترجح الصوم
أما أفضلية الصوم فتترجح لمن يخاف على نفسه التشاغل عن القضاء، أو الكسل عنه، فالأحوط له أن يصوم، عملاً بالعزيمة، بالنسبة للمسافر المستريح الذي لا يجد عنتًا ولا مشقة في سفره، ككثير من السفر بالطائرة اليوم، التي لا تصادفها متاعب.
وكذلك بالنسبة للمقيم في بلد أثناء السفر، وإن اعتبر مسافرًا، ما لم يكن قائما بأعمال تجهده.

وأيضًا السفر المختلف فيه، كأن يكون سفرًا دون المسافة التي قدرها الجمهور، وقدرت بنحو (90 كيلو مترا)، فمن سافر لأقل من ذلك، يحسن به ألا يفطر، ومثله في الغالب لا يطلق عليه اسم (مسافر). ومثل ذلك الذي حرفته السفر، أو تقتضي السفر باستمرار، كالطيار، ومضيف الطائرة، وربان الباخرة (السفينة) وملاحيها، وسائق سيارة الأجرة، (التاكسي) فهؤلاء وإن جاز لهم الفطر، بوصفهم مسافرين، يفضل لهم أن يصوموا إذا لم يشق عليهم، فربما لا يتيسر لهم أن يصوموا.

متى يكون الفطر في السفر أفضل؟
هناك اعتبارات ترجح أفضلية الفطر للمسافر، منها:
1 - أن يكون في الصوم مشقة شديدة، وذلك مثل الذي يسافر عن طريق البر في الصيف ويتعرض للفح الهجير، وكذلك المسافر الذي يركب الطائرة مسافرًا من الشرق إلى الغرب، فيطول عليه اليوم كثيرًا جدًا لاختلاف التوقيت وطول اليوم هناك.
فالصوم في هذه الحالة يكره، وربما حرم إذا زادت المشقة إلى حد يضر بالصائم.
وفي هذا جاء الحديث الصحيح الذي رواه جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فرأى زحامًا، ورجلاً قد ظلل عليه، فقال: " ما هذا ؟ فقالوا: صائم! فقال: " ليس من البر الصوم في السفر" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -681).

ولفظ الحديث إذا أخذ على عمومه يفيد نفي البر عن الصوم في أي سفر، وهو يعني أن فيه إثمًا، ولكن سبب الحديث وسياقه، وجملة الأحاديث الأخرى في الموضوع تدل على أن المراد هو هذا النوع من السفر الذي يشق فيه الصيام مشقة بالغة فليس من البر الصوم في مثله.

2 - أن يكون المسافر في جماعة تحتاج إلى خدمات ومساعدات بدنية واجتماعية، يعوق الصوم كليًا أو جزئيًا عن القيام بها، فيستأثر بها المفطرون، ويحرم من مثوبتها الصائمون.
فالأولى هنا الفطر للمسافر ليشارك إخوانه في الخدمة، ولا يكون عبئًا أو عالة عليهم.
وروى الشيخان واللفظ لمسلم عن أنس قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمنا الصائم، ومنا المفطر، فنزلنا منزلاً في يوم حار، أكثرنا ظلاً صاحب الكساء (يعني الذي يستظل بكسائه) ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصُوَّم، وقام المفطرون، فضربوا الأبنية (أي نصبوا الخيام) وسقوا الركاب.

وفي رواية: وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب، وامتهنوا وعالجوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ذهب المفطرون اليوم بالأجر" (متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان -683).

وإنما ذهبوا بالأجر وحدهم، لأنهم هم الذين قاموا بخدمة إخوانهم لنشاطهم وقوتهم، فبعثوا الركاب، أي إبل الركوب التي حملتهم، فأرسلوها إلى الماء للسقي ونحوه، ومعنى (امتهنوا وعالجوا): أي استخدموا أنفسهم في المهنة والخدمة من التنظيف والطهي ومعالجة ما يحتاجون إليه من الزاد والشراب، ويحتاج إليه دوابهم من العلف والماء.

3 - أن يكون في الإفطار تعليم للسنة، وتعريف بالرخصة، كأن ينتشر بين بعض الناس: أن الفطر في السفر لا يجوز، أو لا يليق بأهل الدين، وينكرون على من أفطر في السفر، فيكون الإفطار حينئذ أفضل، وخصوصًا ممن يقتدى به ويؤخذ عنه من أهل العلم والصلاح. بل يتعين هنا الإفطار، قال ابن كثير:.

(إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام، والحالة هذه، كما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: " من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة" (تفسير ابن كثير -1 / 217).ا.هـ.

وأيضًا لحديث: " من رغب عن سنتي فليس مني" (رواه البخاري عن أنس).
ذلك أن من الواجب أن تظل مراتب الأعمال وأحكامها الشرعية محفوظة بأوضاعها ودرجاتها، كما جاء بها الشرع، فيظل الفرض فرضًا، والمندوب مندوبًا والعزيمة عزيمة، والرخصة رخصة.

ولا يجوز أن يعتقد الناس المندوب فرضًا أو العكس، كما لا يجوز أن يعتبروا الرخصة ممنوعة، أو واجبة، وإذا حدث شيء منها، فعلى أهل العلم أن يعالجوه بالعلم والعمل، والمراد بالعلم: البيان والبلاغ بالقول مشافهة أو كتابة، وبالعمل: أن يدع العالم المقتدي به النافلة في بعض الأحيان، حتى لا تعتقد فريضة وأن يحرص على الأخذ بالرخصة حتى لا يهملها الناس فتموت.

4 - أن يكون في رفقة أخذوا بالرخصة جميعًا، وأفطروا، ويسوءهم أن ينفرد بالصيام دونهم، فلا يحسن به أن يصوم وحده، لما في ذلك من الشذوذ عن الجماعة من ناحية، ولما في ذلك من خشية دخول الرياء على نفس الصائم، أو اتهامه به من ناحية أخرى.
ويتأكد ذلك إذا كانوا مشتركين في النفقة، ومن عادتهم أن يتناولوا وجباتهم مجتمعين، ويشق عليهم انفراد بعضهم بالأكل فطورًا وسحورًا.

وفي الحديث: " يد الله مع الجماعة".
5 - أن يكون الأمير قد أمر بالإفطار، رفقًا بهم، ورعاية لحالهم، فيستحب أن يطاع في ذلك، لتظهر الجماعة في صورة أسرة واحدة، موحدة المظهر والمخبر.

فإذا شدد في ضرورة الإفطار، وألزم به، وجبت طاعته في ذلك، وحرمت مخالفته، واعتبر ذلك معصية.
وفي ذلك جاء حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب... فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام! فقال: " أولئك العصاة، أولئك العصاة".

وفي رواية: فقيل له: إن بعض الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء (رواه مسلم في الصيام -2 / 785)... الخ.
ويبدو من الروايات أنه أمرهم أولاً بالإفطار، فلم يسارعوا إليه أخذا بالعزيمة فدعا بالقدح وشرب، ليكون لهم أسوة، فاجتمع الفعل والقول معًا، فلهذا سمي من تخلف عن الإفطار بعد ذلك: (العصاة).

6 - أن يكون المسافر في حالة جهاد ومواجهة ساخنة مع العدو، وقد حمي الوطيس والتهبت المعركة، والفطر أقوى للمجاهدين، وأعون لهم، على ملاقاة العدو، ومصابرته، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولا، بل قد يتعين الفطر هنا إذا كان الصوم يضعف المجاهدين، أو يقلل من قدرتهم

فإذا أمر القائد بالإفطار كان الفطر عزيمة، وكان الصيام مظنة الإثم.
روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم".وكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر. ثم نزلنا منزلاً آخر، فقال: " إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا " وكانت عزمة، فأفطرنا، ثم رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر (صحيح مسلم في الصوم -789/2، الحديث -1120).

هل يجوز الفطر في الجهاد من غير سفر؟
وهنا تُعَنَّ مسألة، وهي حالة الجهاد من غير سفر، كما إذا حاصر العدو بلدًا مسلما فأهله يقاتلون ويقاومون وهم في عقر دارهم، فهل لهم أن يفطروا إذا كان في الفطر قوة لهم على عدوهم؟.

عرض لذلك المحقق ابن القيم في (الهدي النبوي)، وذكر في ذلك قولين للعلماء، أصحهما دليلاً: أن لهم ذلك، وهو اختيار ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإسلامية لما لقوا العدو بظاهر دمشق، ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر تنبيه على إباحته في هذه الحالة، فإنها أحق بجوازه، لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين.. ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد أعظم من المصلحة بفطر المسافر ولأن الله تعالى قال: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)- (الأنفال :60) - والفطر عند اللقاء، من أعظم أسباب القوة.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القوة بالرمي (روى مسلم (1917) عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول:" (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"). وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة لما دنوا من عدوهم: "إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أقوى لكم" وكانت رخصة ثم نزلوا منزلاً آخر فقال: "إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا" فكانت عزمة (فأفطرنا) (رواه مسلم -1120 في الصيام: باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل وأبو داود -2406 في الصوم: باب الصوم في السفر من حديث أبي سعيد الخدري). فعلل بدنوهم من عدوهم واحتياجهم إلى القوة التي يلقون بها العدو، وهذا سبب آخر غير السفر، والسفر مستقل بنفسه ولم يذكره في تعليله ولا أشار إليه، فالتعليل به اعتبار لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص، وإلغاء وصف القوة التي يقاوم بها العدو، واعتبار السفر المجرد إلغاء لما اعتبره الشارع وعلل به.

وبالجملة: فتنبيه الشارع وحكمته، يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبه عليها، وصرح بحكمها، وعزم عليهم بأن يفطروا لأجلها، ويدل عليه، ما رواه عيسى بن يونس، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم فتح مكة: "إنه يوم قتال فأفطروا" (رجاله ثقات، كما قال محقق الزاد). تابعه سعيد بن الربيع، عن شعبة. علل بالقتال، ورتب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء، وكل أحد يفهم من هذا اللفظ أن الفطر لأجل القتال ا.هـ (زاد المعاد –53/2،54 طـ. الرسالة، بيروت

أبو محمد
08-11-2011, 06:51 PM
جزاك الله خير عالنقل الموفق
بارك الله فيك
ماقصرت

باسكن روبنز
08-11-2011, 06:52 PM
http://www.amal-alalam.net/forum/imgcache/2/7939alsh3er.gif

خالد العمادي
08-12-2011, 02:43 AM
جزاك الله خير اخوي

ســـــلـــ م ـــــــــآن
08-12-2011, 03:11 AM
يعطيك العافيه

الصخره
08-14-2011, 01:56 PM
جزاك الله خير وفي ميزان حسناتك ان شاء الله

أبو زنقه
08-18-2011, 01:39 AM
جزاك الله خير وكثر الله من أمثالك أخوي الفاضل

ناصر العمادي
08-18-2011, 03:36 AM
جزاك الله خير أخوي على المجهود الكبير والرائع

الله يوفقك وييسر أمرك ويرضى عليك دنيا وأخره يارب

تقبل خالص تقديري وأحترامي لك

المتقاعد
08-20-2011, 04:08 PM
جزاك الله خير أخوي

حنيـن
08-20-2011, 04:11 PM
بارك الله فيك وارحم الله والديك

ربي يجعله بميزان حسناتك

بسنا خرابيط
08-20-2011, 09:33 PM
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-left.gifاقتباسhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-left.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/viw.gif (http://watani-alhabeeb.com/vb/showthread.php?p=460748#post460748) المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو محمدhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right-10.gifجزاك الله خير عالنقل الموفق
بارك الله فيك
ماقصرت
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-left.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-right.gif


جزاك بالمثل أخوي الفاضل

بارك الله فيك

بسنا خرابيط
08-20-2011, 09:35 PM
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-left.gifاقتباسhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-left.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/viw.gif (http://watani-alhabeeb.com/vb/showthread.php?p=460749#post460749) المشاركة الأصلية كتبت بواسطة باسكن روبنزhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right-10.gifhttp://www.amal-alalam.net/forum/imgcache/2/7939alsh3er.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-left.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-right.gif


جزاج بالمثل أختي الفاضله

بارك الله فيج

بسنا خرابيط
08-20-2011, 09:36 PM
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-left.gifاقتباسhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-left.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/viw.gif (http://watani-alhabeeb.com/vb/showthread.php?p=460981#post460981) المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد العماديhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right-10.gifجزاك الله خير اخوي http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-left.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-right.gif


جزاك بالمثل أخوي الفاضل

بارك الله فيك

بسنا خرابيط
08-20-2011, 09:37 PM
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-left.gifاقتباسhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-left.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/viw.gif (http://watani-alhabeeb.com/vb/showthread.php?p=460992#post460992) المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ســـــلـــ م ـــــــــآنhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right-10.gifيعطيك العافيه


http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-left.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-right.gif


الله يعافيك أخوي

بارك الله فيك

بسنا خرابيط
08-20-2011, 09:38 PM
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-left.gifاقتباسhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-left.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/viw.gif (http://watani-alhabeeb.com/vb/showthread.php?p=461633#post461633) المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الصخرهhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right-10.gifجزاك الله خير وفي ميزان حسناتك ان شاء الله http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-left.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-right.gif


جزاك بالمثل أخوي الفاضل

بارك الله فيك

بسنا خرابيط
08-20-2011, 09:38 PM
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-left.gifاقتباسhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-left.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/viw.gif (http://watani-alhabeeb.com/vb/showthread.php?p=463017#post463017) المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو زنقهhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right-10.gifجزاك الله خير وكثر الله من أمثالك أخوي الفاضل http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-left.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-right.gif


جزاك بالمثل أخوي الفاضل

بارك الله فيك

بسنا خرابيط
08-20-2011, 09:40 PM
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-left.gifاقتباسhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-left.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/viw.gif (http://watani-alhabeeb.com/vb/showthread.php?p=463103#post463103) المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ناصر العماديhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right-10.gifجزاك الله خير أخوي على المجهود الكبير والرائع

الله يوفقك وييسر أمرك ويرضى عليك دنيا وأخره يارب

تقبل خالص تقديري وأحترامي لك
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-left.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-right.gif
جزاك بالمثل أخوي الفاضل
بارك الله فيك

بسنا خرابيط
08-20-2011, 09:40 PM
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-left.gifاقتباسhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-left.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/viw.gif (http://watani-alhabeeb.com/vb/showthread.php?p=464231#post464231) المشاركة الأصلية كتبت بواسطة المتقاعدhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right-10.gifجزاك الله خير أخوي http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-left.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-right.gif


جزاك بالمثل أخوي الفاضل

بارك الله فيك

بسنا خرابيط
08-20-2011, 09:42 PM
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-left.gifاقتباسhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-left.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/viw.gif (http://watani-alhabeeb.com/vb/showthread.php?p=464235#post464235) المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حناينhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right-10.gifبارك الله فيك وارحم الله والديك

ربي يجعله بميزان حسناتك
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-left.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-right.gif
جزاج الله خير أختي

ووالديج في الجنه ان شاء الله

بارك الله فيج

مالي حل
08-22-2011, 10:50 PM
جزاك الله خير أخوي

بسنا خرابيط
08-25-2011, 04:13 PM
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-left.gifاقتباسhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-left.gif http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/viw.gif (http://watani-alhabeeb.com/vb/showthread.php?p=465600#post465600) المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مالي حلhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-by-right.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-top-right-10.gifجزاك الله خير أخوي
http://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-left.gifhttp://www.watani-alhabeeb.com/vb/watani-alhabeeb/misc/quotes/quot-bot-right.gif


وجزاك بالمثل أخوي

بارك الله فيك

دعوة المظلوم
08-25-2011, 04:42 PM
جزاك الله خير وبارك الله فيك